الشيخ محمد آصف المحسني

29

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

من تفسير الرازي . وأمّا الاحتمال الثاني فبطلانه حسي ، فإنّ المعاصي الواقعة من المسلمين غير خافية على أحد . وأمّا الثالث فبطلانه اتّفاقي ؛ إذ لم يخصّص أحد حجّية الإجماع بهؤلاء الحاضرين فقط . وأما الرابع فهو خارج عن قانون المحاورة وطاقة الدلالة . هذا مع أنّ قول العادل إنما ينهض حجة في الحسيات ، وأما في الحدسيات فلا ، بل لا بد له من دليل خاص ، فافهم . ومنها : قوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول « 1 » يدل بمفهومه على عدم وجوب الرد مع الاتّفاق . أقول : ظاهر الآية أنّ الخطاب انحلالي ، فمعنى الآية حينئذ : أن كل جماعة منكم - أقلها اثنان - إذا تنازعتم في شيء . . . الخ ، فيكون مفهومه بناء على ما تخيّلوه إذا لم يتنازع الخصمان - ولو كانا جاهلين - لم يجب الرد إلى اللّه ورسوله ، بل مجرّد تركهما النزاع يكفي لنفوذ ما تصالحا عليه ، وهذا قطعي الفساد . فإذن لابد أن يكون عدم التنازع في مفروض الآية مستندا إلى دليل شرعي من كتاب أو سنة . يعني إن جهلتم حكم شيء متنازع فيه فردوه إلى اللّه ورسوله وإن علمتموه فلا ، وهذا ربط له بالإجماع كما هو ظاهر . وأما الرازي فهو استدلّ على حجّية الإجماع بأول هذه الآية وهو قوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم « 2 » بحسبان أن أولي الأمر هم أهل الحل والعقد دون الأئمة المعصومين ، وقد أفرط في تقريره وتطويله ، وكلامه بتمامه خبط وغلط فلا يليق أن نطور المقام بإيراده وابطاله ، وببالي تأليف تعليقة مستقلّة على تفسيره ، والتوفيق من اللّه المنان . ومنها : الأخبار المنسوبة إلى النبي الأكرم صلّى اللّه عليه واله مثل : لا تجتمع أمتي على الخطأ . ولم يكن اللّه ليجمع أمتي على الخطأ . وكونوا مع الجماعة . ويد اللّه مع الجماعة . بل ادّعي تواترها معنى لكن الحاجبي والعضدي أنكرا التواتر في محكي كلامهما . والجواب أنّها غير ثابتة من الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه واله ولو صحّت لما دلّت على مرادهم ، فإنّ الأولين يعتبران اتّفاق جميع الأمة قاطبة دون علمائهم ، ولعلّ ما ورد في بعض رواياتنا من التمسّك بإجماع الأمة ينظر إلى ذلك « 3 » ؛ والأخيرين يحثّان على الاتّفاق المقابل للتفرقة ، فتحصّل أن الاجماع ليس بدليل معتبر شرعا ، وما ذكره الخاصّة والعامة في وجهه غير تام إلّا إذا

--> ( 1 ) النساء 4 / 59 . ( 2 ) النساء 4 / 59 . ( 3 ) لاحظ أصول الكافي 1 / 96 ، وبحار الأنور 5 / 20 ويحتمل في بعضها الزام الخصم .