الشيخ محمد آصف المحسني

240

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بالإمكان الخاصّ . وأمّا ما صنعه المستدل من تفسير كلامه تعالى بالقدرة على إيجاد الألفاظ لا نفس الألفاظ فإنها كلام بمعنى ما يتكلم به ؛ وذلك لأن الكلام من صفاته تعالى وصفاته لا تكون حادثة « 1 » ، فهو تعسّف بلا جهة ولا فرق في كلام اللّه وغيره كما عرفت . وأما دليله فهو خلط بين صفاته الذاتية والفعلية ، فإنا وإن نصفه بالتكلّم وأنه متكلّم إلّا أنه من صفات أفعاله كغيره من الأفعال ، وهذا واضح جدا . ومثله في الضعف ما يظهر من المحقّق الطوسي قدّس سرّه في التجريد من أن عموم قدرته يدلّ على ثبوت الكلام ، فإن الكلام وإن كان مقدورا له إلّا أنه ليس كلّ مقدور بواقع وموجود خارجا بالضرورة . 2 - عدم التكلّم ممن يصحّ اتّصافه به نقص واتّصاف بأضداد الكلام ، وهو محال على اللّه تعالى . فإن نوقش في كونه نقصا سيما إذا كان مع قدرته على الكلام - كما في السكوت - فلا خفاء في أن المتكلّم أكمل من غيره ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من خالقه . ذكره القوشجي « 2 » دليلا لقول المحقّق الطوسي في تجريده . أقول : بعد تخصيصه بما لا يزال وإلّا فهو واضح الفساد ، يرد عليه منع النقص قطعا وعدم اتّصافه بأضداده جزما ؛ إذ تكلّمه إيجاد الصوت ونقيضه عدم الايجاد ، وهذا ليس بضدّ . وأما الخرس فهو في المخلوق دون الخالق المنزّه عن الجوارح ، بل ضدّ التكلم فيه إيجاد شيء آخر غير الصوت ، وهو كمال له ومنع أكملية المتكلّم من غيره ، وإلّا لزم استمرار إيجاده الأصوات إلى الأبد ! أو أكملية مخلوقه منه من هذه الجهة حين عدم إيجاده الصوت وتكلّمهم . وبالجملة هذا الوجه ضعيف جدا لمنع جميع مقدماته ، ومنه انقدح بطلان ما استدلّ به الفاضل الطبرسي « 3 » من أن التكلم كمال لفعله فعدمه نقص له ، والنقص بجميع أنحائه محال عليه ؛ إذ فيه أن إيجاد الصوت ممّا لا كمال فيه بحيث يعدّ عدمه نقصا ، أي قبيحا كما هو الظاهر . 3 - اللطف واجب على اللّه الحكيم سواء فسّر ببيان المصلحة والمفسدة ، أو بتقريب المكلف إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية ، وهو لا يمكن إلّا بإنزال الكتب وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب موقوف على التكلّم بما يعرفه المخاطب من الكلام ، فوجب عليه التكلّم عقلا . « 4 »

--> ( 1 ) كما في الشوارق وسرمايه إيمان . ( 2 ) شرح التجريد / 356 . ( 3 ) كفاية الموحدين 1 / 328 . ( 4 ) المصدر نفسه / 327 .