الشيخ محمد آصف المحسني
237
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
والتحقيق أن الترجيح بلا مرجح ربما يصير ممتنعا ، وربما يكون ممكنا ، فإذا أمكن فهو تارة يكون واجبا ولازما فضلا عن مجرّد كونه حسنا ، وأخرى يكون قبيحا . بيان ذلك : أن الترجيح بمجرّد الإرادة من دون سبب ومرجح أصلا محال لما تقدم ، ولا وقع لإنكار الأشعريين وغيرهم ؛ وبمرجح غير عقلائي قبيح ، كما في تقديم المفضول على الفاضل لأجل كبر السن مثلا ، وهذا ممكن قبيح وليس بمحال كما هو ظاهر ؛ وبمرجح عقلائي قائم بطبيعي الفعل الجامع للفردين لازم وواجب كما في الأمثلة المتقدمة وغيرها ؛ وذلك لأن طبيعي الفعل إذا كان ذا مصلحة ملزمة أو غير ملزمة وكانت الأفراد بالنسبة إيه متساوية ، حيث إن كلا منها محصّل له ومحقّق إياه ، فلا يجوز أو لا ينبغي للعاقل ان يترك أصل الفعل المشتمل على الملاك لأجل استواء الأفراد في المزية وتحصيل الغرض ، ألا ترى أن العقلاء بأسرهم يقبحون من ترك الأكل من أحد الإنائين المتساويين حتى مات جوعا ، بل يضحكون على من اعتذر عنه بعدم جواز الترجيح بلا مرجح أو قبحه . والسرّ في جوازه وعدم مآله إلى الترجح هو أن المنظور إليه استقلالا هو طبيعي الفعل وحده وأما الافراد فلا نظارة إليها إلا آلة وتبعا ، فالإرادة المتعلّقة بطبيعي الفعل المذكور تسوغ اختيار رأي من الأفراد ولا تؤول إلى الإرادة الجزافية الممتنعة . وهذا الذي ذكرنا - مضافا إلى عدم الدليل على امتناعه بل الدليل على صحته كما عرفت منا - ضروري أيضا كما يفهم من المثال المزبور ، فالصحيح في المسألة هو هذا التفصيل الثلاثي . وأما ما تقدّم من المحقق الآشتياني من نسبة القول بالامتناع إلى الإمامية والمعتزة ففيه : أن كثيرا من المتزلة قائلون بالجواز ، كما نقله اللاهجي « 1 » . وأما الإمامية فلم يثبت هذا القول منهم جليا بل ذهب بعض الأجلاء الأصوليين « 2 » منهم إلى الجواز مطلقا . والحق ما قلنا .
--> ( 1 ) گوهر مراد / 147 . ( 2 ) وهو المحقق صاحب الكفاية قدّس سرّه 2 / 369 من كتابه ويمكن حمله على ما ذكرنا من التفصيل .