الشيخ محمد آصف المحسني
234
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
موجود غيره بخير محض ، وكلّ ما هو خير محض لا يصدر عنه إلّا الخير المحض ؛ إذ جهة صدور الشر - وهي العدم - ليس بمتحقق فيه . . . وظاهر أنّ سبب نظام الكلّ - أي المجموع من حيث هو مجموع - ليس إلّا الواجب الوجود ، فهو خير محض على وجه لا يمكن الأتمّ منه إذا مكان الأتمّ من هذا النظام يستلزم عدم تمامية هذا النظام ، فإذا لم يكن بتامّ لزم كونه شرا ، فيمتنع صدوره عن الخير المحض . أقول : وللنظر فيه مواضع . منها : ما تقدم في بحث الشرور . ومنه : أن الواجب وإن كان هو المؤثّر في الكل ، غير أن للعقول والأفلاك أيضا تأثيرا فيه ، فإنّها عندهم واقعة في السلسلة الفاعلية وتكون جهات مؤثّريته تعالى ، وحيث إن هذه الأمور ممكنة وإمكاناتها عدمية ، والعدم شرّ ، فلا يتحقّق الخير المحض في المعاليل . ومنها : أن فيه تناقضا ، فإنه تارة يقول : ولا موجود غيره بخير محض ، وأخرى يدّعى أن الجميع خير محض ، فتأمّل ، فإن البرهان على قدرتنا تام وهو يدلّ على نفي النقص في ذاته تعالى أيضا . فإن قلت : كيف يكون هذا النظام على نهاية الكمال وغاية الإتقان والحال أنّ المصائب والبلايا محيطة بالحيوان ولا سيما الانسان ؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنّ الآثام والمعاصي والقتل وهتك الناموس والظلم وغير ذلك من الجنايات ما زالت مستمرّة الصدور عن نوع الإنسان حتى قتل الأنبياء والأولياء وضعفت الديانة والانسانية وأخفيت معالم الشرع وقلّ الديانون . قلت : أما البلايا والمصائب فقد مرّ بحثها مفصلا وأمّا المعاصي فهي وإن كان مبغوضا عليها للّه الحكيم سبحانه من حيثية التشريع وقبيحة في نفسها غير أن تكليف الإنسان لما كان ذا مصلحة هامّة في نفس الأمر ، وهو كان موقوفا على اختيار الإنسان وتمكنه ، وإلّا لارتفع فائدة التشريع وبطل الثواب والعقاب ، فجعل اللّه الإنسان مختارا ثم كلّفه ، فهذه الجنايات مستندة إلى اختيار الإنسان ، واختياره ممّا لا بدّ منه لمصلحة أهمّ من قبح هذه المفاسد ، فافهم جيدا . مسألة : في ترجيح أحد المتساويين على الآخر هل يحسن للمختار أن يرجّح أحد المتساويين على الآخر بمجرّد إرادته أم لا ؟ وعلى تقدير العدم هل هو جائز أو ممتنع ؟