الشيخ محمد آصف المحسني
228
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
القضاء هو الحكم الواحد الذي ترتّب عليه سائر التفاصيل والمعلول الأول كذلك . وأمّا القدر فهو سائر المعلولات الصادرة عنه طولا وعرضا ؛ لأنها بالنسبة إلى المعلول تجري مجرى تفصيل الجملة وهو القدر . وقال المحقق الطوسي : فاعلم أن القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الإبداع ، والقدر عبارة عن وجودها في موادّها الخارجية بعد حصول شرائطها مفصّلة واحدا بعد واحد ، كما جاء في التنزيل : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . . . « 1 » . وقال الرازي في تفسيره عنده قوله تعالى : إنا كل شيء خلقناه بقدر « 2 » : وقالت الفلاسفة . . . إنّ ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون : خلق النار حارّة بقضاء وهو مقتضي به ؛ لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلّقت بقطن عجوز . . . تحرقه فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة . . . الخ . وقال الجرجاني في شرح المواقف « 3 » : واعلم أنّ قضاء اللّه عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال ، وقدره إيجاده إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها . وأمّا عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام ، وهو المسمّى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها ، والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرّر في القضاء . انتهى . إلى غير ذلك من الكلمات والتعابير المختلفة والمتضادة ، وهي ظلمات بعضها فوق بعض ولا يكشف بها واقع القضاء والقدر الذي أراده الدين الاسلامي من هذين اللفظين المذكورين ، فهذه الأقاويل - لو صحّت في أنفسها - اصطلاحات من أربابها ولا دخل لها بالقدر والقضاء الثابتين شرعا ، مع أنها في أنفسها أيضا غير تامّة كما يعرفها المتطلّع على أصولنا الحقة المتقدّمة والآتية ، واللّه الهادي الملهم .
--> ( 1 ) الحجر 15 / 21 . ( 2 ) القمر 54 / 49 . ( 3 ) شرح المواقف 3 / 146 .