الشيخ محمد آصف المحسني
21
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
ثم انّه يمكن أن يقال بوجود جامع غير مقصود في التواتر الإجمالي ، ولو في بعض مواردها ، كما في مثل الروايات الدالّة على حجية خبر الثقة أو العادل كما قرّرناه بعد ذلك في آخر كتابنا ( روح ) دون الجامع المقصود كما في التواتر المعنوي . ومنها : الفطريات : وهي ما يحكم به العقل باعتبار أوسط لا ينفك عن الذهن عند تصوّر حدودها ، كقولنا : الاثنان زوج ، لأنّه منقسم بمتساويين ، والانقسام المذكور لا يغيب عن الذهن بعد معرفة طرفي القضية ، ويقال لها : قضايا قياساتها معها أيضا . ومنها : التجربيات : وهي ما يحكم به العقل بسبب مشاهدات متكرّرة مع انضمام قياس خفي ، وهو أنه لو كان اتّفاقيا لما كان دائما أو أكثريا ، بل هناك سبب إذا علم وقوعه علم وجود المسبّب ، كقولنا : الضرب مؤلم . والفرق بينها وبين الاستقراء هو هذا القياس كما ذكر بعضهم ؛ ولذا لم يعتبروا الاستقراء ، وربما نوقش « 1 » في إفادة التجربة لليقين ، إلّا أنه غير مسموع جزما ، نعم هي لا تنهض دليلا على غير المجرّب . ومنها : الحدسيات : وهي ما يحكم العقل به بواسطة حدس من النفس بمشاهدة القرائن ، كالحكم بأن نور القمر مستفاد من الشمس . والفرق بينها وبين التجربيات مع افتقار كلّ منهما إلى تكرار المشاهدة : أن الثاني يتوقّف على فعل يفعله الإنسان حتى يحصل المطلوب بسببه ، فإنّ الإنسان ما لم يجرّب الدواء بتناوله أو إعطائه غيره مرة بعد أخرى لا يحكم عليه بأنه مسهل مثلا ، وهذا بخلاف الحدس فإنه غير موقوف على ذلك « 2 » . ثم إنّ الحدس عبارة عن انتقال الذهن الدفعي من المبادئ إلى المطالب ، وإن شئت فقل : إنه حضور المبادئ في الذهن بلا مهلة وتراخ حين توجهه إلى المطالب ، وإحاطة النفس دفعة واحدة على المطالب والمبادئ ؛ ولذا أدخلوها في الضروريات دون النظريات الموقوفة على الفكر المعتبر فيه الحركة . هذه هي القضايا الضرورية التي تقع مواد للبرهان القطعي . والأقوى منها هو : الأوليات ، ثم المحسوسات ، ثم الفطريات ثم المتواترات ثم الحدسيات ثم المجربات . والمستدلّ بأحد هذه المبادئ يسمى عندهم حكيما لكن الأولى أن يسمّى محقا أو مبرهنا . أقول : وهنا قسم سابع يمكن إدخاله في الضروريات المذكورة ، وهو ما يحكم به الفطرة دون العقل ، مثل قولنا : دفع الضرر واجب ، فإنه يذعن به من لا عقل له كالمجانين والحيوانات ونحوها . نعم تمييز الموارد في الجملة موقوف على إدراك العقل ، وأما أصل الحكم فهو غير
--> ( 1 ) رهبر خرد / 232 . ( 2 ) لاحظ شرح المطالع / 334 ، وذكر العلامة الحلي فرقا آخر بينهما في شرح التجريد / 139 .