الشيخ محمد آصف المحسني

204

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وقياس ضعيف ، ثم يدّعون أن الفلسفة تحصيل الحقائق ، ويطعنون على غيرهم بالتقليد والمسامحة في ناموس البرهان والاستدلال ! أليس علم المهندس أيضا انفعاليا أخذ من مشاهداته الخارجية غالبا ؟ نعم هو بالنسبة إلى هذا العمل سابق لكنّه لا تأثير له تماما ، وإنّما هو من مقدّمات إرادة ذلك العمل ، وإلّا فالبناء لا يوجد ولو تصوّره البنّاء ألف مرّة . وبالجملة : إن أرادوا أن العلم في طريق العمل فهذا ممّا لا شكّ فيه لعاقل ؛ إذ كل عمل اختياري لا بد له من تصوّر وتصديق ولو ارتكاز ، ونحن نقر إقرارا ضروريا أن علمه تعالى بالصلاح هو المرجّح لأفعاله وبه يترجّح وجوداتها على أعدامها ، وبعض أطوارها على الأخر ؛ وإن أريد أنّه المؤثّر التامّ - كما قالوا ذلك في علم اللّه سبحانه وسمّوه الفاعل بالعناية - فقد عرفت أنه محض الدعوى ، والمثال الذي ذكروه لا يفي به ، بل الوجدان على خلافه . وأمّا المثال الثاني ففيه : أن تصوّر السقوط ممّن قام على جدار عال ، علم واحد موجود في الخائف المدهوش الذي يسقط به ، وفيمن اعتاد القيام عليه بكثرة التكرار لا يسقط به كالبناء فوق الأبنية والجدران العالية ، ولو كان علة لم يختلف كما اعترف به بعض أفاضلهم أيضا ، بل الصحيح أنّه لا علم في المثال المفروض ؛ إذ الصاعد لعى الدار يحتمل سقوطه ، ونفس هذا الاحتمال يولد الخوف في قلبه ، وهذا الخوف هو الذي يسبّب سقوطه ، فهو لا يستند إلى العلم ، فتأمل . وأمّا تأثير النفس وإصابة العين فهما وإن كانا ثابتين في الجملة ، لكن المقام منهما أجنبي بلا خفاء فيه . فإذن قد تحصّل أن ما تسالموا عليه من تقسيم العلم إلى الفعلي والانفعالي ، وجعل الأول علّة المعلوم لا تابعا له ، أمر خيالي فاسد جدا لا واقع له أبدا . ومنه يظهر أن القول الثاني في تفسير إرادته كالقول الأول منهدم الأساس وما فرع عليه ساقط أيضا . فإذن لا بدّ من الرجوع إلى القول الثالث وهو أن علمه تعالى غير علّة للمكنات بل العلّة هو الإيجاد المسمى بالإرادة ، وأمّا القصد فلا يعقل في حقّه كما يتصوّر في حقنا ؛ ولذا قلنا : إن إثبات الإرادة للّه القديم نقلي لا عقلي . وممّا يدلّ على أن إرادته تعالى ليست راجعة إلى علمه وأن علمه ليس بفعلي - زائدا على ما ذكرنا - وجهان : الأول : إنه يعلم نفسه ويعلم الضروريات كلزوم الامكان للمكن والزوجية للأربعة ونحوهما ، ويعلم امتناع الممتنعات ، مع أن علمه بهذه الأمور لا يكون بفعلي ومؤثّر قطعا ، ولا يمكن أن يتفوّه به عاقل جزما ، فمطلق علمه ليس بفعلي فلئن كان ، فهو علمه بالممكن الأصلح ،