الشيخ محمد آصف المحسني

185

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

خلافا ، وهو مذهب البغداديين من المعتزلة وجماعة عن المرجئة ونفر من الزيدية ، ويخالف فيه المشبهة وإخوانهم من أصحاب الصفات والبصريون من أهل الاعتزال . انتهى . أقول : دليلهم واضح فإن زيادة معنى البصر والسمع على العلم ترجع إلى الاحساس المنفي عنه تعالى ، فلا بدّ من ارجاعهما إلى العلم ، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري كما في شرح القوشجي والأسفار . الثاني : إنّهما زائدتان على العلم كما عن جمهور الأشاعرة والمعتزلة والكرامية ، فإنه إذا علم شيء علما جليا ثم وقع عليه البصر يوجد بين الحالتين تفرقة ضرورة ، فإن الحالة الثانية تشتمل على زيادة مع حصول العلم فيهما ، فذلك الزائد هو الأبصار ، واحتياجنا إلى الآلة إنما هو لعجزنا وقصورنا . وأما الواجب فيحصل له الابصار بلا آلة ، وهذا هو الذي ذهب إليه السهروردي - فارجع علمه إلى بصره - وصاحب الأسفار ومن تبعه وقد بيّنه في أسفاره فلاحظ . الثالث : إنّهما نوعان من الإدراك لا يتعلّقان إلا بالموجود العيني ، فهما من توابع الفعل ، فيكونان حادثين بعد الوجود « 1 » . قال به طائفة « 2 » . وبالجملة : البصر والسمع عندهم عبارة عن تعلّق العلم بالمسموع والمبصر الخارجيين . الرابع : التوقّف كما عن المحقّق الطوسي قدّس سرّه في نقد المحصل ، قال : والأولى أن يقال : لما ورد النقل آمنا بذلك ، وعرفنا أنهما لا يكونان إلّا بالآلتين المعروفتين ، واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما . أقول : وكلام العلامة في شرح التجريد أيضا مشعر بذلك . أقول : القول الثاني هو الأوفق بمدلول لفظ البصير والسميع ، فإن الإدراك ليس هو العلم المطلق ، ولا العلم بالجزئيات ، بل ولا العلم المتعلّق بالمحسوسات بأي طريق كان ، بل هو الكشف المحسوس الذي إذا كان صادرا عنّا يسمّى إحساسا . وهذا النحو من لإدراك أشدّ في المحسوسات من العلم الحضوري الذي تخيّله السهروردي ، ألا ترى أن الصور الحالّة فينا معلومة لنا بالعلم الحضوري ، ولو أدركناها بالإحساس كان انكشافها حينئذ أشدّ من علمنا الحضوري بالفعل ؟ فهذا المعنى إمّا هو المعنى الحقيقي للفظة الإدراك والسمع والبصر على تقدير عدم مداخلة العضو في معانيها ، أو هو أقرب المعاني المجازية على تقدير مداخلته فيها . غير أن الذي يوجب رفضه ، بل وكذا رفض القول الثالث هو ما دلّ على قدم هذه الصفات

--> ( 1 ) كما نقله في البحار 4 / 73 . ( 2 ) شرح المواقف 3 / 73 .