الشيخ محمد آصف المحسني
175
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
عين ذاته ؛ والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول ، وحيث إنّ العلّة - أي ذاته تعالى وعلمه بها - واحدة ، فالمعلول - هو ما عداه والعلم به - أيضا واحد ؛ ضرورة عدم صدور الكثير عن الواحد . أقول : وهذا أحسن من الوجه الأول كما لا يخفى ، لكنّ الوجهين ضعيفان : أمّا الأول فبعد ما عرفت منافي عموم علمه ، لا يبقى له مجال بالضرورة . وأمّا الثاني ففيه : أولا : منع جريان قاعدة استلزام العلم بالعلّة العلم بالمعلول كما مرّ . وثانيا : منع قاعدة عدم صدور الكثير عن الواحد ، كما سبق . ص وأما القول الأول - اعني تفسير علمه التفصيلي بالعلم الحصولي - فمجمله : أن العلم إمّا فعلي وإما انفعالي ، والأول ما يكون سببا لوجود المعلوم في الخارج سواء كان سببا ناقصا - كعلم البنّاء ، حيث إنّه يصوّر في ذهنه لقوة خيالية صورة البيت ، ثم تصير تلك الصورة محرّكة لأعضائه حتى يوجد البيت في الخارج ، فإنّ علمه هذا يفتقر في إيجاد البيت إلى آلة وزمان خاصّ وشرائط أخرى - أو سببا تاما كعلم الباري بالعالم ، فإن مجرّد علمه به كاف لوجوده ، فصدور الأشياء عن الباري جلّ اسمه في الخارج بأنّها عقلت أولا فصدرت ، وتعقله تعالى إياها ليست بأنها وجدت أولا فعقلت ؛ لأنّ صدورها عن عقله لا عقله من صدورها ، فالواجب يعلم ذاته فيفيض صور الأشياء عنه معقولة لأنّها من لوازم ذاته ، فعلمه بما سواه من جهة هذه الصور وهي علمه العنائي الموجب للنظام ، وهذه الصور صادرة عنه تعلى مرتسمة في ذاته الواجبة . واستدلّ له بأنّه تعالى يعلم ذاته وذاته سبب للأشياء ، والعلم بالسبب التامّ للشيء يوجب العلم بذلك الشيء ، فذاته تعلم جميع الأشياء في الأزل ، لكن الأشياء كلّها غير موجودة في لأزل بوجود أصيل ، فلو لم تكن موجودة بوجود علمي لم يتحقّق العلم الضرورة استدعائه المعلوم ، ولا يعقل تعلّقه بالمعدوم الصرف ، فظهر كون الأشياء موجودة بالوجود العقلي الصوري عند الباري قبل وجودها الخارجي . ثم إن هذه الصور إما منفصلة عن الباري فيلزم المثل الأفلاطونية ، وإما بأن تكون أجزاء لذاته فيلزم التركيب في ذاته ، وكلاهما محالان ؛ أو بان تكون زائدة على ذاته لكنها متّصلة بها مرتسمة فيها ، وهو المطلوب . أقول : قد تقدّم أن اللّه عالم بالأشياء أزلا بالعلم الذي هو ذاته كما برهنّا عليه ، وأما أنه تعلّق بالصور أو بالذوات الموجودة في مواطنها فهذا مما لا سبيل لنا إلى تعقله كما مر ، فنقول حينئذ : إنّ هذا الدليل مدخول ، فإن علمه بالأشياء عين ذاته لا الصور الفائضة عنه ، وأيضا نوقض بلقدرة الواجبة الأزلية ؛ لأنها مثل العلم صفة ذات إضافة تتعلّق بالمقدورات ، ولا شكّ أن قدرته تعالى شاملة لجميع الممكنات أزلا مع عدم وجودها في لأزل ، ولا يمكن دفعه بالصور الأزلية ،