الشيخ محمد آصف المحسني

158

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

الأول : إنه تعالى لا يعلم نفسه « 1 » ؛ لأنّ العلم نسبة تقتضي الشيئين المتغايرين بالضرورة ، ولا تعقل في شيء واحد . وتضعّفه عينية العلم مع ذاته تعالى ، فهو ليس فيه تعالى بنسبة . هذا مع أنّ العلم صفة لا تقتضي أزيد من عالم ومعلوم ، واجتماع هذين العنوانين على شيء واحد ممكن كما في علمنا بأنفسنا ، فمن حيث إنّا نعلم أنفسنا فنحن عالمون ، ومن حيث إنّ أنفسنا منكشفة لدينا فنحن معلومون ، فكذا في الباري تعالى . الثاني : إنّه لا يعلم شيئا أصلا وإلا أمكن أن يعلم نفسه أيضا . وقد مرّ أن إمكان علمه بنفسه ممنوع . نقل هذا القول عن بعض قدماء الفلاسفة ، وقد اتّضح لك فساده . الثالث : إنه لا يعلم غيره وإن كان عالما بذاته ؛ وذلك لأنّ العلم بالشيء غير العلم بغير ذلك الشيء ، وإلّا فمن علم شيئا علم جميع الأشياء ، فلو كان اللّه عالما بالأشياء لكانت له علوم متعدّدة ، فيتحقّق في ذاته كثرة غير متناهية . وأجيب عنه بمنع تعدّد العلم بتعدّد المعلومات ، فالكثرة في الإضافات والتعلّقات ، واما العلم فهو واحد ، وهي - أي كثرة الإضافات‌بغير ممتنعة ، لأنّها أمور اعتبارية لا وجود لها خارجا . أقول : إتمام هذا الجواب موقوف على أن علم الواجب ليس بحصولي ولا حضوري ، وسيأتي أن علمه ليس بشيء منهما . الرابع : إنه لا يعلم غير المتناهي ؛ إذ المعقول متميز ، وغير المتناهي غير متميز عن غيره ، وإلّا لكان له حد ينفصل به عن غيره ، فيكون متناهيا وهو خلف . وفيه أولا : إنّ كلّ فرد في نفسه متميّز ، فيتعلق العلم بكل وحد منه . وثانيا : إنّ التميّز لا يستلزم الحد ، فلا مانع من أن يكون ما لا يتناهى متميزا . الخامس : إنه لا يعلم الجميع ، بمعنى سلب إيجاب الجميع لا بمعنى السلب الكلي ؛ إذ لو علم كلّ شيء للزم أن يعلم أيضا علمه به وأن يعلم علمه بعلمه ، فيلزم التسلسل في العلوم . وأجيب عنه بأن « 2 » العلم عندنا من قبيل الإضافات ، وتسلسلها غير باطل . أقول : علمه تعالى ليس من الإضافات والنسب بل هو عين ذاته ، والمجيب أيضا قائل بأنّه موجود قديم تبعا لشيخه الأشعري ، فحكمه هنا بإضافة العلم واعتباريته تناقض منه في أصوله .

--> ( 1 ) نسب هذا القول إلى الدهرية مع أنّهم ينكرون قدرته وحياته وحكمته وتجرّده أيضا ، فإنّهم يرون أن مبدأ العالم أجسام صغار كما تقدّم ، فتخصيص نفي العلم بهم وحده بلا مخصّص ، فتأمّل . ( 2 ) ذكره في المواقف وشرحها 3 / 64 .