الشيخ محمد آصف المحسني

123

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

اتّفق الباحثون من المتكلّمين والحكماء - كاتّفاق العقل والنقل - على امتناع إدراك حقيقته وعرفان ذاته ، امتنع الإحاطة بحقيقة قدرته ، لكن نعلم أن الصحّة المذكورة من لوازم قدرته وشؤون سلطانه ، فإذن لا منافاة بين القول باختياره والقول بعينية صفاته ، فإذن لا يكون مانع من الالتزام بها . هذا ، وللمتكلم أن يرجع ويقول على سبيل النقض : إن تفسير القدرة بأن شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل ، لا يجامع القول بعينية الصفات كما عليه الفلاسفة ؛ إذ مرجعها حينئذ إلى ضرورة المشية واللامشية ، وليست المشية عندهم الا العلم بالعناية ، ولا نتعقّل من مفهوم العلم الا الانكشاف والإراءة ، ولا يلتزم عاقل بأنّ الانكشاف نفس ذاته الواجبة وأن حقيقة الواجب هو الكشف ! فلا بدّ أن يقولوا : إن الكشف لازم علمه تعالى . الثاني : إن إرادته عين ذاته الواجبة فهي أيضا واجبة ، وعليه فالفعل أيضا واجب بالنسبة إلى ذاته ولا يمكن التخلف أصلا ؛ لأنّه من تخلّف المعلول عن علّته التامّة . يظهر ذلك من الأسفار وحواشيها للسبزواري . أقول : المنقول من معظم متكلّمي الإمامية ورؤساء المعتزلة أن إرادته تعالى هو علمه بما في الفعل من المصلحة والمنفعة ، ويعبّرون عنه بالداعي ، وعليه فيتوجّه عليهم أن علمه عين ذاته تعالى ، وتعلّقه بالأشياء ضروري ، فيكون تحقّق الفعل أيضا ضروريا لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامّة . وهذا هو الإيجاب الذي يدعيه الفلاسفة ، وأمّا الأشاعرة فهم وإن يروا زيادة إرادته على ذاته لكنّهم يقولون بتعلّقها بأحد طرفي الفعل لذاتها ، فلا يتحقّق اختياره تعالى على مذهبهم أيضا ، فالإرادة لازمة لذاته تعالى صادرة عنه بالإيجاب ، وهي لذاتها متعلّقة بأحد طرفي الفعل ، وهذا عين الإيجاب وما أجاب في المواقف « 1 » بأن الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار فهو مزيّف بعدم تعقّل الاختيار له تعالى على هذا المسلك . والانصاف أنّ ما قاله المتكلّمون في إرادته تعالى يصادم اختياره المفسّر بالصحّة المذكورة . ثم إنّ عينية الإرادة مع الذات وإن توجب ضرورة الفعل وبطلان الصحّة المذكورة ، إلّا أنها لا تثبت قدم العالم ؛ لأنها ليست هي العلم فقط ، بل العلم بالمصلحة ، ولعلها غير متحقّقة في الأزل أو إنّ قدم الممكن غير ممكن ، فإثبات قدم العالم موقوف على إمكان قدم الممكن وتحقّق المصلحة ، كما لا يخفى . لكن الذي يبطل هذا الوجه هو ما ذهبنا إليه من حدوث إرادته تعالى ، وعدم

--> ( 1 ) شرح المواقف 3 / 69 .