الشيخ محمد آصف المحسني

101

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

2 - إذا جعلنا الذرّة بين الجسمين كالصحيفتين فقهرا تلاقي السطحين من الجسمين المذكورين ، وعليه فيكون لها سطحان ؛ إذ لا يعقل تلاقي السطحين بسطح واحد بالضرورة . وهنا وجوه أخرى تدلّ على تركّبها بصورة قاطعة لكن هذين الوجهين من أبسطها وأقربها إلى الأفهام الساذجة . فإذن نثبت أن هذه الذرّات والأجزاء الصغار - سواء في ذلك ذرات ذيمقراط وأمواج روترفورد الذي كسر الذرّة واستكشف أمواجها كما تقدم - مركّبة ، فلا بد لها من مركب فاعل التركيب وهو اللّه الواحد القهار . وأما كون الحركة ليست من نفس المادة بل هو من غيرها - وهو اللّه تعالى - فلما تقرّر في كتب الكلام والفلسفة من لزوم تعدد المحرك والمتحرّك فلاحظ . هذا وعلى قولهم من الحركة الذاتية يلزم تركب الأجزاء وإن سلمنا إمكان بساطتها في نفسها ، فإن الأجزاء لها جهة مشتركة في الجوهرية وجهة مميزة لاختصاص كلّ منها بحركة في جهة تتوجه إليها حركة الذرّة الأخرى ؛ إذ لو كان حركاتها إلى جهة واحدة بلا انحراف لما تشكّل الأجسام منها بالضرورة ، وهكذا الكلام ، في قول بخنز : فان محلّ الدفع غير الجذب ، فيتركّب الجزء ، وإن جعل الدفع في جزء والجذب في جزء فهذا أيضا يلزم التركّب من جزء مشترك بين الجزأين في الجوهرية ومن جزء مميز بالدفع والجذب . وهذا ظاهر ، وهذا يكفي لهدم جميع ما أسسوه وإبطال ما ذكروه بصورة قاطعة ، ولا يبقى للعاقل احتمال في بطلان مبدئية الذرّات للعالم ، فإذن لا بد من الالتزام والإذعان بوجود الواجب القديم المجرّد عن المادة ولواحقها . أضف إلى ذلك أنّ المادة - كما نادوا بأعلى أصواتهم - حقيقة واحدة والحقيقة الواحدة ، لا يصدر عنها آثار مختلفة ، فكيف يسوغ لهم استناد هذه الموجودات المتفاوتة المتباينة إلى المادة المزبورة ؟ فإن صحّ ذلك وأمكن بروز الآثار المتفاوتة عن حقيقة فاردة أصلح العلوم الطبيعية عقيمة ولا تنتج شيئا ؛ بداهة أن التجربة لا تقع إلّا على موارد محدودة يعلم منها أن هذه الحقيقة ذات أثر كذا ، فيوضع ذلك قانونا كلّيا وقاعدة شاملة ، فيقال مثلا : إن الدواء الفلاني يزيل المرض الفلاني مطلقا اعتمادا في الكلية المذكورة على أن الحقيقة الواحدة لا يختلف أثرها . وأما إذا فرصنا جواز اختلافه فلا يتمّ قاعدة تجربية قطعا ، فالعلوم التجربية كالفلسفة تقتضي عدم استناد العالم إلى الذرّات المذكورة ، وقد نقل أنّ بعض متفكّري الغرب تنبّه لذلك فآمن باللّه العظيم ، فلو صح بساطة المادة لما صلحت للعلّية المطلقة من هذه الناحية . قل الله خالق كل شيء « 1 » .

--> ( 1 ) الزمر 39 / 62 .