الشيخ محمد آصف المحسني
9
حدود الشريعة
وأورد عليه سيّدنا الأستاذ بأنّ الأمر عبارة عن اعتبار ما في الضمير على ذمّة الغير بمبرز ، وهذا لا يقتضي اعتبار القدرة فيه ، بل هو بحكم العقل ، كما مرّ ، ويظهر الثمرة عند المزاحمة بين الواجب الموسّع والمضيّق إذا لم نقل باقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضدّه ؛ فإنّ المكلّف لو عصى وترك المضيّق وأتى بالموسّع ، كما إذا ترك الإزالة وصلّى مثلا ، فعلى قول هذا المحقّق لا تصحّ هذه الصلاة مع قطع النظر عن الترتّب ؛ لأنّ الفرد المزاحم المذكور وإن كان من أفراد طبيعة الصلاة ، إلّا إنّه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها ، ومتعلّقة للطلب ؛ ليكون انطباق المأمور به عليه قهريّا ، كما هو كذلك ؛ بناء على قول سيّدنا الأستاذ . إذ غاية ما يقتضيه الأمر بالمضيّق هو عدم الأمر بهذا الفرد المزاحم ؛ لعدم القدرة على الإتيان به شرعا ، وهو في حكم عدم القدرة عليه عقلا ، وذلك لا يقتضي الفساد ؛ بداهة أنّ الوجوب إنّما تعلّق بصرف وجود الطبيعة لا بخصوصيّة أفرادها ليرجع التخيير بينها إلى التخيير الشرعي ، فملاك الامتثال إنّما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي ، لا كون الفرد بشخصه مأمورا به ، وبما أنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة ، وصرف وجود الطبيعة مقدور للمكلّف يصحّ تعلّق الأمر به من الآمر ؛ إذ لا مزاحمة بينه وبين الواجب المضيّق ، وإنّما المزاحمة بين المضيّق والفرد المزاحم من الموسّع ، وإذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوبا للآمر ، وكان انطباقه على الفرد المزبور قهريّا ، فيتحقّق به الامتثال قهرا . أقول : بعد ما ثبت اعتبار القدرة بالآيات الكريمة في أصل التكليف ، لا يبقى مجال لهذا النزاع وإن كان ما ذكرنا يوافق قول النائيني في النتيجة ، كما أنّه مع الغضّ عن دلالة الآيات المتقدّمة كان رأي النائيني أصوب من رأي سيّدنا الأستاذ ( دام ظلّه ) ؛ لضعف مبناه ، وهو تفسيره الوضع بالتباني والتعهّد أوّلا ، ولجريان كلام النائيني حتّى على هذا المبنى ثانيا ، فلاحظ . لكن مع ذلك كلّه يمكن أن يقوّى قول السيّد الأستاذ بتقريب أنّ مفاد الآيات الكريمة اعتبار كون المكلّف به مقدورا . وقد تقرّر في محلّه أنّ متعلّق التكليف هو الطبيعة دون الأفراد ، والطبيعة الجامعة بين الأفراد الممكنة والأفراد المزاحمة