الشيخ محمد آصف المحسني

14

حدود الشريعة

نعم ، في الماليات والمعاملات لا بدّ من إيناس الرشد أيضا ، ولا يكفي فيها مجرّد البلوغ المذكور . ومنها : قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ . « 1 » يظهر منه أنّ بلوغ الأشدّ علامة لنفوذ تصرّفات الإنسان ، سواء كان يتيما أم لا ، كما مرّ . قال في القاموس : أشدّه - ويضمّ أوّله - أي قوّته ، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين . واحد جاء على بناء الجمع ، كأنك ولا نظير لهما . أو جمع لا واحد له من لفظه ، أو واحده شدّة - بالكسر - مع أنّ فعلة لا تجمع على أفعل أو . . . أقول : لا بعد في تفسير بلوغ الشدّ ببلوغ النكاح بقرينة الآية المتقدّمة ، فيجري فيه ما قلنا أوّلا من أنّ المراد به أهليّة الازدواج والدخول لا نفسه ، وغير خفيّ أنّ هذه الأهليّة تختلف في الأفراد باختلاف الأوضاع والأحوال . ومنها : قوله تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . . « 2 » في الآية إشعار أو دلالة بانقطاع الصباوة ببلوغ الحلم ، فلاحظ . وفي القاموس : « الحلم - بالضمّ والضمّتين - : الرؤيا أحلام ، حلم في نومه واحتلم وتحلّم وانحلم . . . والحلم - بالضمّ - والاحتلام : الجماع في النوم - والاسم الحلم كعنق » ، وعن المصباح : « حلم الصبيّ واحتلم ، أدرك وبلغ مبالغ الرجال ، فهو حالم ومحتلم » . أقول : لعله - أي بلوغ الحلم - عبارة أخرى عن بلوغ النكاح ، وعليه ، فالمستفاد من القرآن المجيد من تعابيره الثلاثة في معنى البلوغ هو استعداد الإنسان فعلا للنكاح والدخول .

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 34 ؛ الأنعام ( 6 ) : 152 . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 59 .