السيد محمد حسين الطهراني

51

رسالة في الإجتهاد والتقليد

فالعمل على طبق فتاويه من جميع المكلّفين مستلزم لهذا المحذور . وبالجملة لابدّ وأن يكون الاجتهاد متجدّداً دائماً في كلّ عصر حتّى تبقى الشريعة الغرّاء حيّةً أدام الله حياتها إلى يوم القيامة فإذا لزم اندراس الشريعة بترك الاجتهاد من جماعة في كلّ عصر يجب عيناً « 1 » . هذا بالنسبة إلى حفظ الشريعة وأمّا بالنسبة إلى كونه مقدّمة للعمل فلا يخفى عدم وجوبه العيني إذ الاحتياط معذِّر عند الشارع ، فما قيل من عدم جوازه في العبادات للزوم التكرار أو عدم الجزم في النيّة فقد أجبنا عنه في مبحث القطع . لكنّ الاحتياط بالنسبة إلى العامي متعذّر لأنّ الاحتياط متوقّف على معرفة موارده وكيفيّته ولا يطّلع الإنسان على هذا إلّابعد كونه مجتهداً ، لكنّ الاحتياط بالنسبة إلى المجتهدين أمر ممكن فيجوز إذا لم يستلزم اختلال النظام أو العسر والحرج الشديد . وإذا أغمضنا النظر عن الاحتياط فباب التقليد واسع لأنّ الأدلّة الآتية من الكتاب والسنّة الدالّة على جواز التقليد وافية بالمطلوب . فاذاً لا دليل عقلًا ولاشرعاً على وجوب الاجتهاد عيناً بل يتخيّر المكلّف بينه وبين التقليد ، فعلى هذا يكون الاجتهاد واجباً كفائياً في نفسه وواجباً تخييرياً بالنسبة إلى كلّ مكلّف لعمل نفسه وقد يُستفاد هذا المعنى من الكريمة المباركة : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ « 2 » ؛ حيث أفادت الآية أن‌ّالتفقّه في الدين إنّما وجب في حقّ جماعة لا في حقّ الكلّ وهذا هو معنى الواجب الكفائي .

--> ( 1 ) المراد من « الوجوب العيني » في المقام هو « الوجوب التعييني » ؛ كما في « القوانين » ج 1 ، ص 116 و 117 ، و « الفصول الغرويّة » ص 102 - م . ( 2 ) - الآية 122 ، من السورة 9 : التوبة .