السيد محمد حسين الطهراني
260
نظرة على مقالة بسط وقبض نظرية الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش
النكاح المعهود هو الآخر عمل قبيح جدّاً . أي أنّ جماعهنّ في الدُّبر لا في القُبُلِ ، وهو المحلّ المعهود للنكاح وطريق التناسل والتكاثر ، محلّ إشكال ، وفقهاؤنا ما بين قائل بالحرمة أو قائل بالكراهة الشديدة الأكيدة المغلّظة التي تلي الحرمة وتقاربها في ميزانها ودرجتها . وقد ورد في رواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : مَحَاشُّ النِّسَاءِ عَلَى امَّتِي حَرَامٌ . « 1 »
--> ( 1 ) هذا الرواية صحيحة يرويها سُدير عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله ، وقد أورد الشهيد الثاني في « شرح اللمعة » وروى المجلسيّ كذلك في « بحار الأنوار » ج 23 ، ص 98 ، طبعة الكمبانيّ ، عن « تفسير العيّاشيّ » عن يزيد بن ثابت ، قال : سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام أن يؤتى النساء في أدبارهن ؟ فقال : سَفَلْتَ سَفَلَ اللهُ بِكَ ! أَمَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ : « أَتَأتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنَ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ » ؟ وروى العيّايّش أيضاً عن صفوان بن يحيى ، عن بعض أصحاب الرواية ، قال : سألتُ أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله : « نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . فقال : من قدّامها وخلفها في القُبل . وروى العيّايّش كذلك عن معمّر بن خلاد ، عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال : أيّ شيء يقولون في إتيان النساء في أعجازهنّ ؟ قلتُ : بلغني أنّ أهل المدينة لا يرون به بأساً ؛ فقال : إنّ اليهود كانت تقول : إذا أتى الرجل من خلفها خرج ولده أحول ، فأنزل الله نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، يعني من خلف أو قدّام خلافاً لقول اليهود ، ولم يعنِ في أدبارهنّ . وكذلك روى العيّايّش عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يأتي أهله في دبرها ، فكره ذلك وقال : إنّما معنى « نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » : أيّ سَاعَةٍ شِئْتُمْ . وفي مقابل هذه المجموعة من الروايات فقد روى العيّايّش ، عن ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام ، قال : سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن إتيان النساء في أعجازهنّ ، قال : لا بأس ، ثمّ تلا هذه الآية نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ؛ ورواية العيّايّش عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : سمعتُ أبا عبد الله ( الصادق ) عليهالسلام ذُكر عنده إتيان النساء في أدبارهنّ ، فقال : ما أعلم آيةً في القرآن أحلّت ذلك إلّا واحدة : إِنَّكُمْ لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّسَآءِ . وروى العيّايّش أيضاً عن الحسين بن عليّ بن يقطين قال : سألتُ أبا الحسن ( الكاظم ) عليهالسلام عن إتيان المرأة من خلفها ؟ فقال : أحلّتها آية في كتاب الله ، قول لوط : هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ، وقد علم أنّهم ليس الفرج يريدون . إنّ ما يُستنتج من مجموع هذه الروايات هو حرمة الوطء في الدبر ، لأنّ معنى الحرث هو الزراعة والتناسل ، وذلك متحقّق فقط في الفرج . وعلى هذا فإنّ فَأْتوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ليس بمعنى المكان ، بل بمعنى الكيفيّة ، أي أنّ الجماع في الفرج يمكن أن يكون بأيّة صورة ترغبون . والرواية التي تدلّ على أنّ المراد ب أَنَّى زمانيّة معارضة بالرواية التي تدلّ على هذا المعنى ، لذا فهي ساقطة ؛ وكذلك فصحيحة ابن أبي يعفور معارضة بهذه الروايات الكثيرة الدالّة على الحرمة ، لذا تعدّ ساقطة ، مع أنّ وجود معارضتها للكتاب يوجب في حدّ ذاته سقوطها . وأمّا رواية ابن الحجّاج ورواية الحسين بن عليّ بن يقطين فمتشابهة في المعنى ، لأنّها تستند إلى آيتين لا تدلّ أيّة منهما على الجواز ، لذا ينبغي رفع اليد عن هذه الروايات المعارضة لمخالفتها لظاهر الكتاب أوّلًا ، ولمعارضتها ثانياً الروايات الكثيرة الأخرى التي هي أقوى منها متناً وسنداً .