السيد محمد حسين الطهراني
92
نظرة على مقالة بسط وقبض نظرية الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش
منه علم خاصّ حثّ عليه وأكّد على تعلّمه ؟ وجوب تحصيل العلوم الأهم وترك العلوم المهمّة لضرورات ضيق ممّا لا ريب فيه أنّ دائرة العلوم قد اتّسعت إلى حدّ كبير وهائل ، وأنّ فرصة تعلّمها واكتسابها من قِبل الإنسان ضئيلة ومحدودة جدّاً ؛ فلو صرف الإنسان جميع عمره في اكتساب فنٍّ واحد ، للدرجة التي يطّلع فيها عليه تحقيقا ويصبح أُستاذاً أخصّائيّاً فيه ، فلا ضامن له في وصوله للإحاطة التامّة بجميع أطرافه وجوانبه ودقائقه ، فضلًا عن أن يحاول التخصّص في فنّين أو أكثر . لذا فإنّ على الإنسان أن يوازن بين مدّة عمره الصالحة للتعلّم ، وبين احتياجه من ذلك العلم النافع الذي يرغب في اكتسابه ، فيصرف الساعات والأيّام في تعلّمه ليحصل على الغاية التي يتوخّاها . « 1 » أمّا لو جدّ الإنسان واجتهد ، فاكتسب بالمشاقّ والمتاعب والسهر العلومَ المختلفة التي لا تنفعه ، فلن يكون نصيبه إلّا الوبال والخسران والندم ، فتكون حاله كمن قضى العمر ببناء البيوت والعمارات الكثيرة على أمل أن يُعمَّر ، وكلما فرغ من عمارة لم يستفد منها ولم يسكن فيها ، بل تدفعه شدّة الأمل والحرص إلى بناء بناية أخرى ، حتى يأتيه الموت فجأة فيخطفه ، لَا مَالًا حَمَلَ وَلَا بِنَاءً نَقَلَ . « 2 »
--> ( 1 ) أورد الشيخ هادي كاشف الغطاء في « مستدرك نهج البلاغة » ص 165 و 166 عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : أَقَلُّ النَّاسِ قِيمَةً أَقَلُّهُمْ عِلْماً ؛ وَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ في صِغَرِهِ لَمْ يَتَقَدَّمْ في كِبَرهِ . . . حتى يقول : العِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى ، فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَي أَحْسَنَهُ . ثُمَّ أَنشَأَ يَقُولُ : مَا حَوَى العِلْمَ جَمِيعاً أَحَدٌ * لَا وَلَوْ مَارَسَهُ أَلْفَ سَنَة إنَّمَا العِلْمُ بَعِيداً غَوْرُهُ * فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ أَحْسَنَه ( 2 ) الخطبة 112 من « نهج البلاغة » طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده ، ج 1 ص 224 ، ومن جملة فقراته : وَمِنَ العَنَاءِ أنَّ المَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأكُلُ ، وَيَبْنِي مَا لَايَسْكُنُ ، ثُمَّ يَخرُجُ إلَى اللهِ لَا مَالًا حَمَلَ ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ .