السيد محمد حسين الطهراني

246

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

.

--> الذي كتبت فيه . . . . فإنّ كثيراً من الباحثين يبنون أبحاثهم على فرض يتّخذونه قاعدة مسلّمة ، وربّما كان فاسداً فيجيء كلّ ما بنى عليه مِثله ، لأنّ ما بنى على الفاسد فاسد حتماً . مثال هذا ما امتحن به بعض الفلاسفة تلاميذه وهو أنه عمد إلى جرّة كانت في الشمس فقلبها من غير أن يروه ودعاهم ، فقال . إنّي أرى وجه هذه الجرّة المقابل للشمس بارداً ، ثمّ قلبها ولمس الجانب الآخر معهم فإذا هو سخن ، فطالبهم بعلّة ذلك فطفقوا ينتحلون العلل وهو يردّها ، ولمّا سألوه عن رأيه في ذلك ، قال . إنّه يجب أن يتثبّت من صحّة الشيء أوّلًا ثمّ يبحث عن علّته . وكون الجانب المقابل للشمس من هذه الجرّة بارداً والجانب المقابل للأرض سخناً غير صحيح ، بل قلبتها أنا لأختبر فطنتكم . وكذلك فعل بعض الباحثين في إنجيل برنابا ، فقد فرضوا أنه من وضع بعض المسلمين ، ثمّ حاروا في حزر تعيين واضعه ، هل هو غربيّ أم شرقيّ ، عربيّ أم عجميّ ، قديم أم حادث . وما قال أحد فيه قولًا إلّا وجد من الباحثين من يفنّده حتى رأى الدكتور سعادة بعد الاطّلاع على تلك الأقوال أنّ الأقرب إلى التصوّر أن يكون كاتبه يهوديّاً أندلسيّاً من أهل القرون الوسطى اعتنق المسيحيّة ، ثمّ دخل في الإسلام وأتقن اللغة العربيّة وعرف القرآن والسنّة حقّ المعرفة ، ثمّ صار له إحاطة بكتب العهد العتيق والجديد . واستدلّ على هذا الفرض بعلمه الواسع بأسفار العهد القديم وموافقة التلمود وإحاطته بالعهد الجديد ، وغفل عن عزوه إلى كتب العهدين ما لا يوجد في نسخها التي عرفت في القرون الوسطى وهي التي بين أيدينا الآن كعزو قصّة هوشَع وحجَّي إلى كتاب دانيال ، وعن مخالفته لها أحياناً في مسائل أخرى ، ولو كان من أهل القرون الوسطى وما بعدها لما وقع في هذا الغلط الظاهر مع علمه الواسع . واستدلّ أيضاً بموافقة بعض مباحثه للقرآن والأحاديث وما كلّ ما وافق شيئاً في بعض مباحثه يكون مأخوذاً منه ، وإلّا لزم أن تكون التوراة مأخوذة من شريعة حمورابي لا وحياً من الله لموسى عليه السلام . على أنّ معظم مباحث هذا الإنجيل لم تكن معروفة عند أحد من المسلمين وأسلوبه في التعبير بعيد جدّاً من أساليب المسلمين عامّة والعرب منهم خاصّة ، كما بيّن ذلك بعض القسّيسين في مجلة دينيّة ، وأي مسلم يَذكُر الله ولا يثني عليه ، والأنبياءَ ولا يصلّي عليهم ، ويسمِّي الملائكة بغير الأسماء الواردة في الكتاب والسنّة ؟ - - - )