السيد محمد حسين الطهراني
214
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
لهم مقام عظيم في قدرة البيان وبلاغة الكلام ، بحيث لا يوجد في صفحات التأريخ من ينافسهم في هذا المجال أبداً . وكان للكلام الفصيح البليغ منزلًا لا يدانيه منزل في المحافل الأدبيّة العربيّة ، فكان العرب يجلّون الكلام الجميل الأدبيّ كثيراً ، وكانوا يعلّقون الأشعار الرائعة التي تستحوذ على القلوب التي يُنشدها الشعراء المبرّزون على جدار الكعبة بنفس الاحترام الذي ينصبون فيه أصنامهم وآلهتهم في الكعبة . وعلى الرغم من ذلك الشمول والسعة للّغة العربيّة ؛ وعلى الرغم من تفوّق العرب في فصاحتهم وبلاغتهم بحيث كانوا يستعملون قوانينها الدقيقة وإشاراتها دون أدنى زلل ، وبحيث كانوا يبدعون في استعمال الألفاظ الجزلة العذبة الجميلة ، إلّا أنّ الآيات القرآنيّة الكريمة التي كانت تنزل على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم فيتلوها بدوره على الناس ، قد أحدثت ، ومنذ الأيام الأولى ، ضجّة كبيرة في أوساط العرب وخطبائهم ومتكلّميهم ، واستحوذ بيان القرآن الجذّاب المحبّب ذي المحتوى الكبير على مجامع القلوب ، وبهر أصحاب الألباب بحيث أنساهم كلّ كلامٍ سواه فأنزلوا - من ثمّ - الأشعار النضرة الرائعة لأساتذة الفصاحة ( المعلّقات ) من أستار الكعبة . وحقّاً فإنّ هذا الكلام الإلهيّ يجتذب بروعته وجماله اللامتناهي كلّ قلب ، ويختم بأسلوبه المحبّب بختم الخرس والتلجلج على أفواه المتكلّمين ذوي الكلام الجميل . بَيدَ أنّ القرآن كان - من جهة أخرى - علقماً ، صَعُب على المشركين وعبدة الأصنام تجرّعه - لأنّه يستدلّ على دين التوحيد ببيان بليغ ومنطق قويّ متين ، ويذمّ نهج الشرك وعبادة الأصنام أشدّ الذمّ ، ويحقّر الأصنام