السيد محمد حسين الطهراني

77

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

يمكنك أن تستخرج الجواب لهذا السؤال بإلقاء النظر في تأريخ الاستعمارات الاوروبّيّة في آسيا وأفريقيا ، وفي الاستعمارات الأمريكيّة ، وفي الفجائع التي ارتكبوها ، والدماء والأعراض والأموال التي أهرقوها واستباحوها ونهبوها ، والتحكّمات والضغوط التي أتوابها والتي فاق عددها الآحاد والمئات والألوف . ولا تذهب بعيداً فقد يجزيك أن تتأمّل أخبار ما قاساه أهل الجزائر من فرنسا طيلة سنين متمادية من إبادة النفوس وتخريب البلاد والتشديد على أهلها ، وما تلقاه الممالك العربيّة من الإنجليز ، وما يتحمّله السود والحمر في أمريكا وما قاسته اوروبّا الشرقيّة من الجمهوريات الاشتراكيّة الروسيّة والسوفييتيّة ، وما نكابده نحن من أيدي هؤلاء وأولئك ، كلّ ذلك في لفظه نصح وإشفاق ، وفي معناه الاستعباد والاسترقاق . « 1 »

--> ( 1 ) - كتب أحمد أمين المصريّ في كتاب « يوم الإسلام » ص 119 إلى 122 يقول . وهكذا كان في كلّ عصر ومصر مصلح ينبّه الوعي القوميّ ويحضّ على الثورة والإصلاح . ولمّا أحسّت الدول الاوروبّيّة بكراهة المسلمين ظنّتهم أطفالًا فرفعت كلمة الاستعمار ووضعت موضعها كلمة الانتداب ، ظنّاً منها أنّ المسألة مسألة ألفاظ ، ولكن لم يكن المسلمون مغفّلين إلى هذه الدرجة . فلمّا قامت الحرب العالميّة وانتهت كان قادة الاوروبّيّين والأمريكيّين قد نادوا في أيّام الشدّة بمبادئ العدالة والحرّيّة وأحقّيّة الشعوب المستضعفة في حكم نفسها بنفسها ، فلمّا أرادت أن تتراجع بعد انتهاء الحرب شبّت الثورات في مصر وسورية والعراق وغيرها ضدّ الاستعمار تريد الاستقلال ، ففاز بعضها ، ولم يفز بعضها . ولا تزال القلوب منطوية على ضغن ، وفكرة الحروب الصليبيّة تعمل عملها إلى اليوم . الحقّ أن موقف الاوروبّيّين المسيحيّين عجيب ، فهم إذا علموا أنّ شعباً نصرانيّاً عُذِّب أو أهين ثارت ثورتهم ، أمّا إذا علموا أنّ المسلمين عُذِّبوا وأهينوا لم تتحرّك شعرة فيهم ، خُذ مثلًا هذا الذي كان بين الأرمن والمسلمين ، فقد تعدّى الأرمن على المسلمين وعذّبوهم وقتلوهم ، فلم يتحرّك الاوروبّيّين لنصرتهم ، وتعدّى المسلمون على الأرمن وعذّبوهم وقتلوهم فثارت ثورة الاوروبّيّين . ثمّ يستمرّ أحمد أمين في هذا الموضوع حتى يقول . وما لنا نذهب بعيداً وقد سمعنا في الأيّام الأخيرة عن القتال في فلسطين بين اليهود والمسلمين أنّه إذا انتصر المسلمون نادوا بوقف القتال ، وإذا انتصر اليهود سكتوا . ويفعل النصارى الأفاعيل في المسلمين ، فلا يُقال إنّهم متعصّبون ، ويفعل المسلمون جزءاً صغيراً ممّا فعله الاوروبّيّون فيُرمون بالتعصّب المقيت . والخلاصة ، إنّ فكرة الحروب الصليبيّة متغلغلة في نفوسهم ، فإن خفيت في عقولهم فهي كامنة في وعيهم الباطن لا يصدرون إلّا عنها ، ولا يغفرون أبداً للمسلمين أنّهم انتصروا عليهم يوماً ما ، كما لا يغفرون أيضاً لهم نجاحهم في إدخال الناس في دينهم حتى من غير تبشير ، وعجزهم هم حتى مع التبشير . وقد اجتمعت مرّةً جمعيّة الرابطة الشرقيّة وأرادت إرسال بعثة طبّيّة إلى جدّة لمساعدة جرحى الحجاز في القتال بين الشريف حسين بن علي وابن سعود ، فوافقت على ذلك ، لأنّها كانت تناصر الحسين بن علي ، فلمّا أرادت إرسال بعثة طبّيّة أخرى لمساعدة الريفيّين في مراكش أبت عليها ، ذلك لأنّ المسلمين في نفس الحرب يحاربون الفرنسيّين المسيحيّين . والأمثلة على ذلك لا تُحصى . فمن الغفلة أن نقول إنّ الحرب اليوم حرب سياسيّة لا دينيّة ، لأنّ المظاهر كلّها تدلّ على ما نقول . وإنّ النصرانيّة وعداءها للإسلام كامنة في نفوسهم لم يُزلها أي عامل . غاية الأمر أنّها تحت ستار . وأوضح مثل لذلك أنّهم عابوا على ملك إسبانيا قوله المتقدّم ، لأنّهم يريدون أن يعملوا من غير أن يقولوا ، ويستتروا من غير أن يظهروا ، وإنّما هي فلتات ومقارنات تدلّ على منحاهم . فليتّعظ المسلمون . وإنّ ما يشيعونه من عدل وإخاء ومساواة ليس إلّا ما بينهم . أمّا الأجناس المسلمة فليس واجباً عليهم فيهم عدل ولا إخاء ولا مساواة . والحوادث ترينا أنّ المسلمين أكثر تسامحاً وأقلّ تعصّباً ، فإذا تعصّبوا فمقابلة للتعصّب بالتعصّب . هذا تأريخ صلاح الدين مع الصليبيّة . أيّهم أكثر تسامحاً وأقلّ تعصّباً ؟ وهذا الشريف الحسين بن علي ، كان يقول القول ويحتفظ به ، وكان الإنجليز يقولون القول في الظاهر ويعملون ضدّه في الخفاء .