السيد محمد حسين الطهراني

72

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

لكنّ ما ينبغي ملاحظته والتأمّل فيه هو . هل يمكن العمل بأصل الحرّيّة المطلقة ، وهل هذه الحرّيّة الموهوبة في المجتمع الإنسانيّ على إطلاقها منذ وُلدت البشريّة ؟ الإنسان يعيش دوماً في إطار محدّد ، وتعبير الحرّيّة المطلقة اسمٌ بلا مسمّي فما يشير إليه التأريخ أنّ النوع الإنسانيّ لم يزل منذ وجد في العالم يعيش في حال الاجتماع ، ولا يسعه بحسب جهازه الوجوديّ إلّا ذلك ، لذا فقد وجد دوماً قواعد وقوانين تحدّد الحرّيّة الفرديّة ، لأنّ الحياة الاجتماعيّة ستنجرّ إلى الاضمحلال والفناء ما لم تراعي فيها قوانين وسنن تحدّد هذه الحرّيّة . فلن يسع شخصان أن يعيشا في زمان واحد ويجلسا في مكان واحد ويأكلا من طعام واحد ويلبسا لباساً واحداً ، وحريّ أن تتعلّق إرادتهما كلاهما بنفس ذلك الشيء . ومن هذا فقد وضعوا قوانين تحديد الملكيّة وتحديد الزواج وغيرها . وبشكلٍ عامّ ، فإنّ إجراء قانون مجازاة المجرمين بدون هذا المعنى من التحديد أمرٌ خاطئ . فالمجتمع حين يضع للمجرم قانوناً للمجازاة من قتل وحبس وتعذيب وغيرها لا يمكنه ذلك بدون امتلاك حقّ تحديد حرّيّة المجرم عمليّاً ، والمجرم نفسه أيضاً سيعتبر خارجاً عن هذا المجتمع ما لم يمضِ أمر تحديد حرّيّته الأوّليّة حسب تعيين وتشخيص القانون ، وعليه فإنّ المجرمين أنفسهم بإقرارهم قانون الجزاء والعقوبات قد ألغوا حرّيّتهم المطلقة ، وحدّدوها بالحدود المقرّرة . هذا التقييد والتحديد واضح ومشهود للقدر الذي نجد في قوانا البدنيّة أنّها لا يمكنها الاستمرار في عملها بدون تحديد وتقييد القوى الأخرى . فقوّة الإبصار تفعل فعلها بحرّيّة حتى تكلّ لامسة العين أو تتعب القوّة المفكّرة فتقف الباصرة عن فعلها تقيّداً بفعل مزاملها . والذائقة تلتذّ بالتقام