السيد محمد حسين الطهراني

66

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

جمعهم موالي وأحراراً لوجه الله ؛ ولم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال الكفّارات ، مثل كفّارة القتل وكفّارة الإفطار ، وأجاز لهم الاشتراط والكتابة والتدبير ( أي أن يعتقهم مولاهم مقابل قدر من الخدمة أو أن يجعلوا له شيئاً آخر مقابل تحريرهم ، أو أن يشترطوا على مواليهم أن يعملوا ويدفعوا إلى مولاهم تدريجيّاً أو دفعةً قيمتهم أو أقلّ منها من كسبهم مقابل عتقهم ، أو أن يوصي المولى بعتقهم بعد موته فيصيرون حال موت مولاهم أحراراً ) ، كلّ ذلك عنايةً بهم وقصداً إلى تخليصهم وإلحاقاً لهم بالمجتمع الإنسانيّ الصالح إلحاقاً تامّاً يقطع دابر الاستذلال . « 1 »

--> ( 1 ) - يقول هذا الحقير مؤلّف « نور ملكوت القرآن » . لقد قام أحمد أمين المصريّ أواخر عمره بنشر كتاب كان تأليفه سنة 1952 ميلاديّة ، تراجع فيه عن التُّهم التي وجّهها إلى الشيعة في كتبه السابقة « فجر الإسلام » و « ضحى الإسلام » ، وذكر فيه مطالب مفيدة إجمالًا ، على أنّ الكتاب لا يخلو نفسه من إشكال ؛ وسمّاه ب - « يوم الإسلام » . يقول في هذا الكتاب من ص 24 إلى 26 ضمن تأييده للاستعباد في الإسلام ودفاعه عنه ضد التُّهم الموجّهة إليه . وخطا الإسلام في الرقّ خطوة واسعة ، فهو لم يُجزْه إلّا لمن يؤسر في حرب شرعيّة ، أمّا اختطاف الولدان والبنات بشنّ الغارات على القبائل واتّخاذهم عبيداً فعملٌ جاهليّ لم يُجزْه الإسلام . وقد سوّى الإسلام بين ذوي الألوان المختلفة سوداً وبيضاً ، فقال الرسول . لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أعْجَمِيٍّ وَلَا لأبْيَضٍ عَلَى أسْوَدٍ فَضْلٌ إلَّا بِالتَّقْوَى أوْ بِعَمَلٍ صَالِحٍ . وقرّر للأرقّاء الحقوق التي للأحرار ، بل جعل للرقيق مزايا ليست للأحرار ، بإعفاء الأرقّاء من نصف العقوبات التي يحكم بها على الأحرار ، وجعل العتق واجباً في كفّارة اليمين وكفّارة الفطر في رمضان إلى غير ذلك ، وأوجب على المسلمين حُسن معاملة الأرقّاء ؛ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم . اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ ، أطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ ، فَمَا أحْبَبْتُمْ أمْسَكْتُمْ وَمَا كَرِهْتُمْ فَبِيعُوا ؛ فَإنَّ اللهَ مَلَّكَكُمْ إيَّاهُمْ وَلَوْ شَاءَ لَمَلَّكَهُمْ إيَّاكُمْ . وسأله رجل . كم أعفو عن الخادم ؟ فصمتَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ثمّ قال . اعْفُ عَنْهُ في كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّة . وضرب رجلٌ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عبداً له ، فجعل العبد يقول . أسْألُكَ بِوَجْهِ اللهِ ، فلم يُعْفه ، فسمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وانطلق إليه ، فلمّا رأى الرجل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمسك ، فقال له الرسول . سَألَكَ بِوَجْهِ اللهِ فَلَمْ تَعْفُهُ ، فَلَمَّا رَأيْتَنِى أمْسَكْتَ يَدَكَ ؟ ! قال الرجل . فَإنَّهُ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ ، فقال النبيّ . لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَسَفَعَتْ وَجْهَكَ النَّارُ . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم . أرِقَّاؤُكُمْ إخْوَانُكُمْ اسْتَعِينُوهُمْ عَلَى مَا عَلَيْكُمْ وَأعِينُوهُمْ عَلَى مَا عَلَيْهِمْ . وقال الإمام الزهريّ . مَتَى قُلْتَ لِلْمَمْلُوكِ . أخْزَاكَ اللَهُ ، فَهُوَ حُرٌّ . وليس يصحّ قياس هذه الخطوة الواسعة بما فعلت الأمم في هذه الأيّام وإنّما يُقاس على ما كان الرقيق عليه قبله في أيّامه . فقد كان المصريّون القدامي والبابليّون والبراهمة والفرس يتّخذون الرقيق سلعة ويعاملونه معاملة وحشيّة ، واتّخذه اليونان أيضاً وأقرّه كبار فلاسفتهم كأرسطو وأفلاطون ، بل زعم أرسطو أن أرواحهم كأرواح الحيوانات . وتوسّع الرومانيّون في الاسترقاق إلى حدّ بعيد . وكان آباء الكنيسة النصرانيّة يُكاثرون الكونتات في اقتناء الأرقّاء . فإذا علمنا هذا ، علمنا الخطوة الواسعة التي خطاها الإسلام في شأن الأرقّاء .