السيد محمد حسين الطهراني

35

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

إيذاء امّه وشتائمها ، وصبره عن الردّ على سبابها المقذع في ليلة شتائيّة باردة حين ناولها قدح الماء ، وكيف أنّ الله قد أزال حجاب الغيب في لحظةٍ عن قلبه فصار عالَم الغيب مشهوداً لديه ، وفتح أمامه باب مناجاة قاضي الحاجات ومشاهدة أنواره الملكوتيّة ونفحاته السبحانيّة . « 1 » إن منطق القرآن هو توحيد ربّ العزّة في جميع المقامات ، والإيثار والعدل والصبر أمام المشكلات ، واجتناب الكسل والهوى والهوس ، وبسط النعمة وتعميمها لكلّ الطبقات . وهو لا يمثّل الأخلاق النظريّة له فقط ، بل الأخلاق العمليّة والخارجيّة أيضاً ، فلقد كان المسلمون بشهادة التأريخ المسلّم ، من صدر الإسلام وحتى الآن هم أهل الصبر والإيثار والعفو والرحمة والمروءة والعدل ، وقد كان لهم في حروبهم المظفّرة منتهى الرعاية والحماية لُاسراهم ، والحفاظ على حياتهم ؛ فلم يكونوا ليحرقوا الأشجار ويتلفوا المزارع ويُهلكوا الحرث ، أو يقاتلوا مَن تنكّب عن مقاتلتهم ولم يشهر السيف بوجوههم ، ولم يتعقّبوا مُدبراً عن قتال ، أو يمثّلوا بقتيل ، وكانوا يؤمنون مَن لجأ إليهم ، ولا يمنعون عدوّهم شريعة الماء التي في أيديهم . « 2 »

--> ( 1 ) - « نور ملكوت القرآن » ج 1 ، البحث الثاني . ( 2 ) - أورد المحدِّث القمّيّ في « منتهى الآمال » ج 1 ، ص 16 ، ضمن بيانه لأخلاق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصفاته الشريفة أنّ أرباب السير أوردوا أنّ النبيّ الأكرم كان إذا بعث سريّةً أوصى أميرها ووعظه ، ثمّ قال . « اغزوا بسم الله وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، ولا تغدروا ، ولا تغلّوا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا وليداً ، ولا متبتّلًا في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ، ولا تغرقوه بالماء ، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً ، لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه ، ولا تعقروا من البهائم ممّا يؤكل لحمه إلّا ما لابدّ لكم من أكله » . ونهى رسول الله أن يسمّم المسلمون مياه المشركين ، ولم يعامل النبيّ أعداءه بغير هذه المعاملة ، ولم يُغِرْ عليهم ليلًا ، وكان يعتبر جهاد النفس هو الجهاد الأكبر . ويقول المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 56 . وشملت السماء ابن النبيّ في كربلاء بمزيد من التأييد . بمعانٍ جليلة من جلال الإسلام نختار منها هنا واقعة منه وواقعة من عدوّه . في الأولى . أخَذَ أخْذَ أبيه ، فسقى جيش العدوّ من العين التي نزل عندها ولم يحرم الماء قاتليه . وفي الأخرى . ترك قائدان من القوّاد جيش ابن زياد في وطيس المعركة إلى الجماعة العزلاء حول الحسين ليستشهدوا في الدفاع عن سيّدالشهداء بين رجاله الذين ماتوا عن آخرهم وهم عليمون أنّهم يخوضون معركة خاسرة بكلّ المقاييس التي يتقايس بها المتحاربون مظفّرة بمقاييس المؤمنين . فلم يكن منعهم من الماء ليؤخِّر في نتيجة المعركة بأيّ وجه من الوجوه . ثمّ يقول في الهامش . وتعلّم عليهما صلاح الدين في حربه مع الصليبيّين يوم أرسل طبيبه إلى الملك ريتشارد قلب الأسد قائد الصليبيّين . وأينَ من قواعد الحرب الإسلاميّة قواعدها عند الاوروبيّين ؟ إن أبقراط أبا الطبّ اليونانيّ الذي ورثت اوروبّا قَسَمَهُ الأشهر ، يُقسمه كلُّ طبيب قبل أداء واجبه بالنزاهة والأمانة وعدم التعصّب ؛ لكنّ أبقراط علّم الاوروبّيّين درساً آخر حين رفض أن يُعالج مرض الطاعون في الجيش الفارسيّ قائلًا . إنّ شرفه يمنعه من معالجة عدوّ بلاده !