السيد محمد حسين الطهراني
30
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
التفكير والسرور والحزن والجمال . ولقد دفعت هذه الغلطة الحضارة إلى سلوك طريق أدّى إلى فوز العلم وانحلال الإنسان . « 1 »
--> ( 1 ) - « انسان موجود ناشناخته » ( / الإنسان ذلك المجهول ) ص 310 ، الطبعة السادسة . ويقول أحمد أمين المصريّ في كتاب يوم الإسلام ص 215 إلى 217 . لقد ألّف الأستاذ جود أستاذ الفلسفة الإنجليزيّ كتاباً قيّماً سمّاه سخافات المدنيّة الحديثة قال فيه . إن المدنيّة الحديثة ليس فيها توازن بين القوّة والأخلاق . فالأخلاق متأخّرة جدّاً عن العلم ، ومنذ النهضة ظلّ العلم في ارتقاء والأخلاق في انحطاط حتى بعدت المسافة بينهما . وبينما يتراءى الجيل الجديد للناظر فتعجبه خوارقه الصناعيّة وتسخيره المادّة والقوى الطبيعيّة لمصالحه وأغراضه ، إذا به لا يمتاز في أخلاقه ، وفي شرهه وطمعه ، وفي طيشه ونزقه ، وفي قسوته وظلمه عن غيره . وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة ، إذا به لا يدري كيف يعيش . وتوالى الحروب الفظيعة الهائلة دليل على إفلاسه وأنّه يربى نشأة لتموت . وقد خوّلت له العلوم الطبيعيّة قوّة قاهرة ولكنّه لم يُحسن استعمالها فكان كطفل صغير أو سفيه أو مجنون يملكون زمام الأمور ويؤتون مفاتيح الخزائن ، فهم لا يزيدون عن أن يلعبوا بما فيها من جواهر . وقال في موضع آخر . إنّ فيلسوفاً هنديّاً سمعني أطرى حضارتنا وأقول إنّ أحد سائقي السيّارات قطع ثلاثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة واحدة على الرمال وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في عشرين أو خمسين ساعة ؛ فقال ذلك الفيلسوف الهنديّ . إنّكم تستطيعون أن تطيروا في الهواء كالطير ، وأن تسبحوا في الماء كالسمك ، ولكنّكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض . وقال في موضع ثالث من هذا الكتاب . انظر إلى الطيّارة التي تحلّق في السماء يخيّل إليك أن صانعيها في علمهم ولباقتهم فوق البشر ، والذين طاروا عليها أوّلًا كانوا في علوّ عزمهم وجرأتهم أبطالًا ، ولكن انظر الآن إلى المقاصد السيّئة التي استخدمت لها الطيّارة وتستعمل لها في المستقبل . إنّما هي قذف قنابل وخصوصاً الذرّيّة ، وتمزيق جثث الإنسان وخنق الأحياء وحرق الأجساد ، وإلقاء الغازات السامّة ، وتقطيع المستضعفين - الذين لا عاصم لهم من هذا الشرّ - إرباً إرباً . وهذه إمّا مقاصد الحمقى أو مقاصد الشياطين . وقال في موضع رابع . ماذا سيقول المؤرِّخ غداً إذا وصف كيف كنّا نستعمل الذهب ؟ سيذكر أنّنا توصّلنا إلى أن نخبر عن الذهب باللاسلكيّ وسيصف الصور التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدّونه في لباقة ومهارة ، وكيف تحدّينا قانون الجاذبيّة في نقله من عاصمةٍ إلى عاصمة ، وسيسجّل أنّ أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وفي غاية الجرأة في فتوحاتهم الصناعيّة كانوا عاجزين عن التعاون الدوليّ الذي كان يتطلّبه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح ، وكانوا لا يعنون إلّا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة ، وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب أفريقيا ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس .