السيد محمد حسين الطهراني

183

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

ذلك نسبة عبوديّتهم له ؛ عليهم أن يتّصفوا ويتحلّوا بهذه الصفات الأربع عشرة التي أشرنا إليها . وحين يُتلى هذا القرآن على أولئك الذين تخلو قلوبهم من الأحقاد والضغائن والعصبيّات ، فإنّ دموعهم ستنساب تلقائيّاً من أعينهم ، لأنّ هذا الكلام هو حديث المحبوب الذي يذكّرهم بالحبيب ، وله إشارة ودلالة على الوطن الأصليّ والمقرّ الدائميّ ، فيؤمنون به بلا تردّد أو إبطاء . وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . « 1 » فانظروا ماذا تفعل الآيات الإلهيّة التي هي حديث الشوق إلى الإله القديم الأزليّ بالقلوب الغرثي والأرواح الظمأي ؟ لكأنّها تقتلع الإنسان من الأرض إلى حيث يستقرّ في فضاء القدس ونور التجرّد والوطن الأصليّ عند الربّ الودود . تطرد عنه التفكير بالطعام والنوم ، وتسلب منه الراحة ، فينهض المؤمن فيغتسل أو يتوضّأ في ليالي الشتاء الباردة المظلمة ، ثمّ ينهمك بتلاوة القرآن ، ثمّ يهوي للسجود ويقوم ، ويحسّ عند قراءته كلّ آية كأنّه يَرِدُ جُنينات خاصّة فيرتع فيها ويقطف من فاكهتها الحلوة الهانئة العطرة ، ثمّ يطوف من شجرة لُاخرى ذات شكل آخر ، ثمّ يتعدّاها إلى غيرها ، فهي جميعاً ذات ثمار لذيذة هانئة تبعث الطمأنينة في القلب والهدوء في النفس البشريّة المليئة بالقلق والاضطراب . إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

--> ( 1 ) - الآية 83 ، من السورة 5 . المائدة .