السيد محمد حسين الطهراني

119

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

ومنظَّم ، دافعةً بالإنسانيّة يوماً بعد آخر إلى هاوية الهلاك والفناء . فلا يمكن اعتبار أنّ يوم سعادة وحسن حظّ البشر سيأتي على يد هؤلاء المربّين الأغراب ، الذين يدّعون أنّهم أشفق على الطفل من امّه التي أنجبته . « 1 » ويمكن استخلاص أمور هامّة بالتأمّل والتمعّن في المطالب التالية ،

--> ( 1 ) - كتاب « وحى يا شعور مرموز » ص 112 و 113 . يقول أحمد أمين المصريّ في كتاب يوم الإسلام بعد شرح مشبع عن أضرار المدنيّة الغربيّة في الجانب الأخلاقيّ ، ص 220 و 221 . ومع الأسف فقد جنت المدنيّة الحديثة على العلوم والآداب ، فاستأصلت هذه العاطفة الإنسانيّة ، ووضعت مكانها العاطفة الجامحة الوطنيّة ، كما ملأتها بحبّ النفع المادّيّ ، ولم تعبأ بحبّ المعاني السامية والأخلاق الراقية والجمال المعنويّ . ولذلك أخرجت شباباً في شكل إنسان ، وحقيقة أحجار لا قلب له ولا شعور ، ولا أمل عنده ولا ألم ، سواء في ذلك الشباب الاوروبّيّ والشباب الشرقيّ ، وسواء في ذلك الفتيان والفتيات . إنّنا لا نقوّم العلم والأدب إلّا بمقدار خدمتهما للإنسانيّة . وأكبر عيب في المدنيّة الغربيّة أنّها جعلت الشباب كالإنسان المصاب بالسرطان ، تتضخّم ناحيةٌ منه ولا تتضخّم الأخرى ، فتضخّم عقله وضمر قلبه فاختلّ توازنه . إن المدنيّة الحديثة جعلت قلبه فارغاً ظمآن ، صقيل الوجه ، كاسف الروح . مستنير العقل ، كليل البصر ، ضعيف اليقين ، كثير اليأس ، قد حاز كلّ أسباب السعادة إلّا سعادة قلبه ، قد نزعت منه عاطفة الدين فساءت حياته في الدنيا . والشباب الشرقيّ على الخصوص شغفته الحضارة الغربيّة فمدّ يده إلى الأجانب ليتصدّقوا عليه بفتات الموائد ، قد باع روحه بثمن رخيص جدّاً ، وهي أعزّ شيء في الوجود . فاشترى من الغربيّين عبادة المادّة ، وعبادة الشهوات والجاه ، وأعطاهم قلبه . لقد كانت - والحقّ يُقال - المدنيّة الغربيّة في نعومتها وبرامجها وأفكارها أقسى على الشرق من مدافعها وكلّ آلات قتالها . فما فعلته هذه الآلات أفسدت الناس بكلّ سهولة . لقد كنتُ في الحجاز فرأيتُ بعض سوّاقي السيّارات يسوقونها بعقليّة الجمال ، فكذلك المعلّمون اليوم يربّون الصقور تربية الحدأة ، وأشبال الأسود تربية الغنم .