السيد محمد حسين الطهراني
86
رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء
المقامات العالية وجعلوهنَّ قاضياتٍ في المدائِن والأمصار وفَوَّضُوا إليهنَّ ولاية النَّواحي المُعظمة من البلاد والأقطار . وإنَّ من الواضح كونَهم مشتاقين لهذا النَّصب ، وكونَهنَّ مشتاقاتٍ لهذه المناصب ؛ كيف وقد نرى أنَّهم وَلَّوا كثيراً من غِلمانهم وعَبيدهم وَفوَّضُوا إليهم الأمور السَّامية ، وقَلَّدوهم المناصِبَ الخطيرة ، فكيف يزهدون في إعطائِها لأمثال البَنات والأخوات ، مع ما يشاهد العامَّةُ من ابَّهَةِ جلالهنَّ وعظم شأنهنَّ ، ويميلون إلى جانبهنَّ فيما هو موردٌ لأنظار الحَّكام السِّياسيَّة . فبملاحظة هذه القرائن الحافَّة ، الحاليَّة والمقاميَّة والمقاليَّة من كلِّ جانب وناحية تصير السِّيرة العدميَّة البَهماءُ البَكماءُ ، ذاتَ لسانٍ طَلِق ، تنطق ببيانٍ ذَلِقٍ وجهَ انقادها وتحقُّقها في العالم الإسلاميّ ؛ وفي هذا غنًى وكفايةٌ . وأمَّا الرِّوايات الواردة في المقام ، فقبل الخَوض فيها لابدَّ من البحث في تأسيسِ الأصلِ المعتمد عليه عند الشَّكِّ في شرطيَّة شيءٍ في القضاءِ أو الإمارة ؛ فيُتمسَّك به عند فقدان الدَّليلِ الاجتهاديّ على شرطيَّتِهِ . ولقضاءِ البحث التَّام نحتاج إلى تمهيد مُقدِّمات : المقُدِّمة الأولى : إنَّ القضاءَ والإمارةَ مَن شُعَب الولاية ؛ والولاية أمرٌ عَظيمٌ مجَدُهُ ، جليلٌ شأنُهُ ، لأنَّها الحكومةُ على نفوس النَّاس وأموالهم وأعراضهم وأزواجهم وسائر شؤونهم بالإرادة والتَّصرُّف . ففي الحقيقة هي القيادة إلى صالحهم المنوطة بالتَّمتُّع من جميع المواهب الإلَهيَّة ، وإلى فعليَّة الاستعدادات الكامنةِ في نفوسهم وطبائعهم بنحوٍ أعلى وأكمل . فإذا فُوِّضَت إلى أهلها وَوَقَعَتْ في محلِّها ، يتنعَّم النّاسُ في دنياهم وأخراهم ؛ فيَسيرون إلى كمالهم الحقيقيّ ، فيعيشون في الدُّنيا بأهنأ عيشٍ وأتمِّ راحة ، مع الوصول إلى غاية الدَّرجات المُقدَّرة لهم في سيرهم الكماليّ ؛