السيد محمد حسين الطهراني
112
رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء
وَمَا بَرِحَ لِلّهِ - عَزَّتْ آلَاؤُهُ - في الْبُرْهَةِ وَفي أزْمَانِ الْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ في فِكْرِهِمْ ، وَكَلَّمَهُمْ في ذَاتِ عُقُولِهِمْ ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ في الأسْمَاعِ وَالأبْصَارِ وَالأفْئِدَةِ ، يُذَكِّرُونَ بِأيَّامِ اللهِ ، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ ، بِمَنْزِلَةِ الأدِلَّةِ في الْفَلَوَاتِ . مَنْ أخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إلَيْهِ طَرِيقَهُ ، وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ ، وَمَنْ أخَذَ يَمِيناً وَشِمَالًا ذمُّوا إلَيْهِ الطَّريقَ ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ . وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُماتِ ، وَأدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهاتِ . وَإنَّ لِلذِّكْرِ لَاهْلًا أخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ ؛ يَقْطَعُونَ بِهِ أيَّامَ الْحَيَاةِ ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ في أسْمَاعِ الْغَافِلينَ . وَيَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيأتَمِرُونَ بِهِ ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ ؛ فَكَأنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إلَى الآخِرَةِ وَهُمْ فيهَا فَشَاهَدُوا مَاوَرَاءَ ذَلِكَ ؛ فَكَأنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْلِ الْبَرْزَخِ في طُولِ الإقَامَةِ فِيهِ ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا ؛ فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِاهْلِ الدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ . . . - إلى أن قال عليهالسَّلام - : يَعِجُّونَ إلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقاوِمِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ ، لَرَأيْتَ أعْلَامَ هُدى ، وَمَصَابِيحَ دُجى ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَاعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ في مَقَامٍ اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ - إلى آخر الخطبة « 1 » . فهؤلاءِ هُمْ العُلماءُ بالله حقّاً ؛ وهذا المقام منزلٌ رفيع وشأنٌ جليل لا تَصِلُ أيدينا إليه . نعوذ بالله من شرور أنفسِنا ، وَنتمسَّك بلطفه وكَرَمه . ثمَّ قال قُدِّس سرُّه : واحتمل بعض العلماءِ أن يكون المراد من العلماءِ بالله في قوله عليهالسَّلام : مَجَارِيَ الامُورِ والأحْكَامِ على أيْدِي الْعُلَمَاءِ بِاللهِ ، العارفين به بقرينة إضافتهم إليه سبحانه ؛ والمراد من المَجاري مجاري الأمور
--> ( 1 ) « النَّهج » الخطبة 220 ، ص 446 إلي 448 ، من طبع عبده بمصر .