السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
79
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ الآية 144 ، من السورة 3 : آل عمران ] . ولهذا فإنّ الترك الظاهريّ للمعصية لا ينفع شيئاً في النجاة ، بل ينبغي أن يترك ظاهره وباطنه : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ [ الآية 120 ، من السورة 6 : الأنعام . ] كما أنّ العوالم الواقعة في طريقَي الصعود والنزول أشبه بالليل والنهار وساعات كلٍّ منهما ، فما لم ينتهِ المتقدّم تماماً « 1 » وتبلغ الارتقاء إلى العوالم العليا يستلزم طيّ جميع المراتب والدرجات
--> ( 1 ) - إن ممّا لا يعتريه الشكّ أنّه ما لم تُطوَ جميع مراتب العالم الأسفل ، فإنّ الصعود إلى العالَم الأعلى سيكون متعذّراً . بَيدَ أنّ هناك نكتتَين تستحقّان التأمّل : النكتة الأولى : أنّ الإقامة في العالَم الأعلى متوقّفة على الإقامة في العالَم الأسفل ؛ أمّا محض الاطّلاع المؤقّت وحصول مجرّد حالٍ ما ، وإدراك بعض خصائصه ، متوقّف على الإقامة في العالَم الأسفل . فإذا أراد أحد أن يُقيم في عالَم العقل مثلًا فينبغي حتماً أن يكون قد تخطّى جميع مراحل عالَم المِثال . إلّا أنّه قد يمكن لمن لم يتخطَّ عالَم المثال بعد أن تظهر لديه بعض خصائص وآثار عالَم العقل في هيئة حالٍ يكون عليها ؛ والأمر كذلك بالنسبة إلى عالم العقل مع عالم اللاهوت . النكتة الثانية : أنّ عبور عالَم معيَّن لا يستلزم الاطّلاع على جميع آثار وخصائص ذلك العالَم ؛ فكثيراً ما يحصل أن يتخطّى أفراد معيّنون عالَم المِثال دون أن تظهر لديهم المكاشَفات الصوريّة تفصيلًا ، بل يُدركون بواسطة الرؤيا في المنام بعض الصور المثاليّة ، أو تنكشف لديهم في المنام بعض الأمور المثاليّة عن الماضي أو المستقبل ؛ حيث نُقل عن المرحوم آية الحقّ الحاجّ الميرزا على القاضي رضوان الله عليه أنّه كان يقول : « إن المرحوم الشيخ زين العابدين السلماسيّ وكان من خواصّ المرحوم آية الله السيّد مهدي بحر العلوم ومقرّبيه كانت جميع مكاشفاته تحصل في المنام » . وعلى أيّة حال ، فإنّ عبور عالَم معيّن يستلزم حتماً الاطّلاع على آثار ذلك العالَم ، والكشف الإجمإليّ لخصائصه . * اعتبر سماحة الشيخ رضا الاستاديّ وفق ذوقه الخاصّ أنّ الكتاب الذي ألّفه المرحوم بحر العلوم ينتهي إلى هذا الحدّ ؛ فقام بحذف باقي الكتاب . وعلى الرغم من أنّه نوّه في مقدّمة الكتاب بأنّه ليس من أهل السير والسلوك ، إلّا أنّه ليس من الواضح أيّ سبب جعله يقوم بما قام به ، ودفعه ليوقع بالكتاب هذه المُثلة . قال : لقد فعلت ذلك من باب الاحتياط . ولكن هل التصرّف في عبارات اأاعلام والحذف والتنكيل ينسجم مع الاحتياط ؟ أم أنّ طبع رسالة على هذه الاهمّيّة بمثل هذه الكيفيّة يوافق الاحتياط ؟ ولمّا كانت الرسالة المطبوعة بإشرافه قد نُشرت بعد الطبعة الأولى لهذه الرسالة ، التي صدرت مع حواش وتعليقات للحقير ، فقد ارتأيت كتابة هذه السطور لإطلاع الباحثين على حقيقة الأمر لتضاف إلى التعليقات في الطبعة الثانية .