السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)

43

رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم

أمّا معرفة المقصد التي أُشير إليها في قوله : ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ ، فنقول : إن المقصد هو عالَم الحياة الأبديّة الذي عُبِّر عنه ب « البقاء بالمعبود » . وظهور عيون الحكمة ( وهي العلوم الحقيقيّة ) إشارة إلى ذلك ، لأنّ العلوم الحقيقيّة والمعارف الحقّة هي رزق النفوس القدسيّة الذي يصلها من ربّها ، والرزق الإلهيّ إنّما هو للحياة الأبديّة . مقصد السالك ومراتبه بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، والوصول إلى هذا العالَم الجامع للمراتب الكماليّة التي لا حَصر لها ، ومن جُملتها حصول التجرّد الكامل على قدر القابليّة الإمكانيّة « 1 » ، إذ المادّيّة لا تنسجم التجرّد من جميع الجهات ومن ضمنها التجرّد من القابليّة الإمكانيّة لا يحصل إلّا بعد الموت

--> ( 1 ) - التعليل اللاحق ( إذ المادّيّة لا تنسجم . . . إلى آخره ) ليس عائداً إلى الجملة السابقة ، أي إلى جملة ( على قدر القابليّة الإمكانيّة ) ، بل يعود إلى المطلب السابق ، وهو أنّ الرزق الإلهيّ إنّما هو للنفوس القدسيّة والإحياء الأبديّ . وحاصل المطلب أنّ البدن سوف يفسد ، إلّا أنّ وجهه ( أي مظهره ) سيبقى . فإن بلغت النفس الإنسانيّة في سيرها المظاهرَ والصفات الإلهيّة فأضحت مظهراً للأنوار الإلهيّة ، غدت في عداد « أحياءٌ عند ربّهم » ، وكان رزقها تلك العلوم والمعارف الحقيقيّة . وينبغي العلم بأنّ حصول التجرّد إنّما يكون على قدر القابليّة الإمكانيّة ، أي أنّ السالك إذا دخل في عالَم اللاهوت ، وإذا حصل على الفناء في جميع الأسماء الإلهيّة ومن جملتها الفناء في اسم « الواحد » ، وإذا بلغ مرحلة البقاء بعد الفناء ( وهو البقاء بالمعبود ) ، فإنّه لن يحصل على التجرّد الكامل من جميع الجهات ومن ضمنها التجرّد من القابليّة الإمكانيّة . وعلى الرغم من أنّ علم السالك في هذه الحال سيكون علماً إلهيّاً ، وأنّه سيكون له المعيّة مع كلّ موجود ، وأنّه سيطّلع على الماضي والمستقبل ، إلّا أنّ تلك العلاقة الإجماليّة بتدبير البدن ستمنع من حصول التجرّد التامّ فيما وراء أفق الإمكان . بَيدَ أنّه قد شوهد أنّ نسبة عُلقة الروح ببدنها وبسائر الموجودات ستكون متفاوتة . ثمّ إنّها تترك البدن كلّيّاً بعد الموت وتتفرّغ من الاشتغال بتدبيره بتمام معنى الكلمة ، فتحصل على التجرّد اللاهوتيّ . يقول الشيخ وليّ الله الدِّهلويّ في « الهمعات » : لقد قيل لهذا الفقير بأنّ قطع علاقة الروح بالبدن سيحصل بعد الموت بخمسمائة سنة . وقال محيي الدين بن عربي في موارد عديدة : إن العين الثابتة ستبقى للسالك بعد البقاء بالمعبود أيضاً . وليس في هذا منافاة مع كون الإنسان اسماً إلهيّاً أعظماً ، لأنّ الإنسان من بين جميع الموجودات ومن ضمنها الملائكة هو الاسم الأعظم . غاية الأمر أنّه يكتسب بالبدن جميع المراتب ، عدا مرحلة واحدة من حصول التجرّد التامّ الكامل ( حتّى التجرّد من العين الثابتة والشوائب الإمكانيّة ) ، فإنّها تحصل له بعد الموت .