السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)

193

رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم

--> إيّاها . فالذي تنزل به مصيبة مثلًا من موت أهل أو ولد أو غير ذلك ، يمكنه أن يسكّن ألمه بطرق مختلفة ، كأن يقول : لعلّ أهلي وولدي سيلحقون بي الضرر مستقبلًا ، أو يُتعبونني في تنفيذ طلباتهم . أو أن يقول : لقد فقد الآخرون أهليهم وأولادهم كما فقدت أهلي وولدي ؛ ونظائر ذلك . أمّا القرآن الكريم ، فيقول : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إذَآ أصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّآ إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ( الآيتان 155 و 156 ، من السورة 2 : البقرة ) ، أي : أنّ كلّ شيء مِلكٌ مُطلَقٌ لِلَّهِ تعالى ، وأنّ الإنسان ليس من حقّه أبداً ادّعاء المِلكيّة . فالمِلك إذاً مِلك الله ، وللمالك أن يتصرّف بمِلكه حيث يشاء دون اعتراض . وهذا النوع من التفكير يُريح المُصاب على الفور . أو أنّ شخصاً ما مثلًا يريد امتلاك أمور مادّيّة ومعنويّة كثيرة ، لكنّه لا يقدر على نيله ، وهو لذلك مكدّر الخاطر ومشوّشه . وحين يلجأ إلى القرآن ويرى أنّ فقره ذاتيّ ، فإنّ قلقه سيزال ، وسيفهم أنّه مهما أُعطي فإنّ تلك الأشياء ليست مِلكه ، بل هي للّه تعالى ، وأنّه سيبقى في فقره الذاتيّ . ولو أدرك السالك في طريق السلوك أنّ الله تعالى قد جعل نفسه طمّاعة ، وأنّها تطمع في كلّ مقام ومكرمة ، وأنّه ما لم يتخطّ طمع نفسه ورغباتها ، فإنّه لن يصل إلى المقصود . وذلك بأن يتغاضى بالمرّة عن جميع المشتهيات النفسانيّة من مقام الكرامة والدرجات ، ويُخلي باطنه من جميع النوايا والرغبات ، حيث يجلو ذهنه من جميع غبار الأغيار ، فيتجلّى فيه جمال الحضرة الإلهيّة . ونظراً لأنّ هذا النوع من التفكّر كأنّه يحرق جميع النوايا والصفات ، فقد دُعي بطريقة الإحراق .