السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)

102

رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم

فإذا ترك المرء الاعتراض ، وجعل عقلَه ورأيه وهواه مطيعة للشرع ، أضحى مسلماً بالإسلام الأكبر ، ودخل آنذاك في مرتبة العبوديّة . وهذه هي أدنى مراتب العبوديّة « 1 » ، أمّا ما سبق له فعله ، رواية الإمام الصادق عليه السلام في حقيقة العبوديّة

--> ( 1 ) - حيث ورد في حديث « عنوان البصريّ » أن العبوديّة تستلزم التسليم المحض والطاعة الخالصة ، وما دام الإنسان لم يبلغ بتمام معنى الكلمة مرحلة التسليم ، وما دام لم يجعل إرادته واختياره وفق إرادة الله تعالى واختياره ، فإنّه لن يرد مرحلة العبوديّة . وقد أورد المجلسيّ هذا الحديث في « بحار الأنوار » ج 1 ، باب آداب العلم وأحكامه ، عن عنوان البصريّ ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، وهو حديث مفصّل . . . يصل فيه إلى حيث يقول عنوان مخاطباً الصادقَ عليه‌السلام : يَا أبَا عَبْدِاللهِ ! مَا حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ ؟ قَالَ : ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ : أنْ لَا يَرَى العَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً . لأنَّ العَبِيدَ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلْكٌ ، يَرَونَ المَالَ مَالَ اللهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أمَرَهُمُ اللهُ بِهِ . وَلَا يُدَبِّرُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ تَدْبِيراً . وَجُمْلَةُ اشْتِغَالِهِ فِيمَا أمَرَهُ اللهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ . فَإذَا لَمْ يَرَ العَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً ، هَانَ عَلَيْهِ الإنْفَاقُ فِيمَا أمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أنْ يُنْفِقَ فِيهِ . وَإذَا فَوَّضَ العَبْدُ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ عَلَى مُدَبِّرِهِ هَانَ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا ؛ وَإذَا اشْتَغَلَ العَبْدُ بِمَا أمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ ، لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلى المِرَاءِ وَالمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ . فَإذَا أكْرَمَ اللهُ العَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، هانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالخَلْقُ ، وَلَا يَطْلُبُ الدُّنْيَا تَكَاثُراً وَلَا تَفَاخُراً ، وَلَا يَطْلُبُ مَا عِنْدَ النَّاسِ عِزَّاً وَعُلُوَّاً وَلَا يَدَعُ أيَّامَهُ بَاطِلًا . فَهَذَا أوَّلُ دَرَجَةِ التُّقَى . . . . وعلى أيّة حال ، وكما يُلاحَظ في هذا الحديث الشريف ، الذي يقول بعض الأساطين بأنّ آثار صدوره عن المعصوم مشهودة من نفس مضامينه ؛ فإنّ العبوديّة الحقّة قد اعتُبرت عين التسليم والطاعة في الأفعال والإرادة والاختيار وسائر الأمور . ثمّ يرد السالك بعد حصول هذه الدرجات في أوّل درجات التقوى ، والتي عدّها المصنّف رحمه الله مرتبة الإيمان الأكبر .