السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
85
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
--> وقد ورد في « سنن أبي داود » باب الجهاد ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : مَنْ لَمْ يَغْزُو وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ . ونظير هذا المعنى الأمر بالنكاح ؛ ذلك أنّ السالكين الذين منعتهم مشاكل النكاح وموانعه وصوارفه من العمل بتلك السنّة ، قد حُرموا من عالم سيرٍ تكامليّ يحصل عليه الإنسان من خلال العمل بهذه السُّنَّة ، ولذلك نرى أن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم قد عدّ النكاح سُنّته وطريقته . وفي المثل ، فإنّ من حُرم من حسّ الإبصار ، إذا طوى في سلوكه المراتب والعوالم ، فإنّه مع ذلك سيبقى محروماً من التجلّيات الإلهيّة في مظاهر المُبصَرات ، وإن بلوغ الفناء في الذات والوصول إلى الحَرَم لن يكون بديلًا عن هذا الحرمان . ولذا فإنّ هؤلاء سيكونون محرومين وإلى الأبد من مشاهدة أنوار الله تعالى في السير الآفاقيّ وفي مرائي البصر ومجاليه . والأمر كذلك بالنسبة إلى الحرمان في حاسّة السمع وغيرها من الحواسّ . إذ إن كلّ حسّ يفقده الإنسان يُغلق في وجهه عالماً كبيراً . ( 4 ) إن عالم الفتح والظفر ليس عالماً خاصّاً ، ليمكن وضعه من ثَمَّ في مقابل تلك العوالم ، لأنّ الفتح والظفر من لوازم الجهاد والورود في العالَم الذي يليه . وبغير ذلك فإنّ من الممكن في الاعتبار أن نعدّ عالم الفتح والظفر عالمَين : أحدهما الفتح ، والآخر الظفر ؛ لأنّ السالك يفتح الأوّل بواسطة الجهاد ، ثمّ يظفر بالخصم بعد ذلك . الأمر الثاني : جاء في الحديث : مَنْ أخْلَصَ لِلَّهِ ، وظاهره أنّ على السالك أن يتمّ أربعين الإخلاص ( الذي هو فِعله ) . بَيدَ أنّ كلام المصنّف رحمه الله يوحي بأنّ على السالك أن يسير الأربعين بعد عالم الخلوص والورود في صفّ المُخلَصين . ومن الجليّ أنّ السالك إذا ورد عالَم الخلوص ، لم يبقَ له ثمّة اختيار أو إرادة ليختار بهما سير الأربعين ، إذ سيكون اختياره في تلك الحال بِيَدِ الله تعالى ، وسيكون مُسيَّراً له تعالى . اللهمّ إلّا أن نقول بأنّه ليست هناك عبارة أخرى غير عبارة مَنْ أخْلَصَ ليمكن بها تفهيم هذا السير الأربعينيّ . الأمر الثالث : يستفاد من بيان المصنّف رحمه الله أنّ الاختيار سيبقى في مقام ( البقاء بالله ) بعد بلوغ الفناء . وأنّ الحديث الشريف وعد بالوصول إلى هذا المقام بواسطة طيّ الأربعين ، والله العالِم .