الشيخ محمد اليعقوبي
346
خطاب المرحلة
والأوثان التي تُصنع من الحجر والخشب وربما التمر ثم تعبد من دون الله وتقدس وتقدم لها النذور والقرابين ، فإن أشكالًا أخرى من الأصنام تعبد وتقدس وهي أشد وطئاً على الإنسان وأكثر إذلالًا للبشرية وتكلف الناس أضعاف ما كانت تكلفهم تلك الأصنام ، وأولها هوى النفس وشهواتها وأطماعها وغرائزها التي يطيعها الإنسان ويسعى لتنفيذ إرادتها ويخضع لسلطتها وإن كان في ذلك معصية الله تبارك وتعالى ، فأصبح الهوى إلهاً يعبد من دون الله تعالى لأن معنى العبادة هي الطاعة والانقياد والاستسلام بحيث ورد في الحديث الشريف ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ) ، وقد سمى الله تبارك وتعالى الهوى إلهاً في قوله تعالى ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ . . . ) ( الجاثية : 23 ) ، كم من تاجر تعرض له معاملة مشبوهة ينهى عنها الشرع المقدس لكن ربحها يسيل لعابه ويثير طمعه فيرتكبها ؟ وكم من امرأة تعلم أن السفور حرام وإن إبداء مفاتنها أمام الرجل الأجنبي معصية فتفعله إرضاءً لغرائزها ؟ وكم من شاب يعلم أن الصلاة واجبة عليه وأنها عمود الدين وهوية المسلم لكنه يتركها كسلًا وحباً للراحة والدعة ؟ أليس كل هؤلاء وأمثالهم قد نصبوا من أهوائهم وأنفسهم الأمّارة بالسوء أصناماً وآلهة يعبدونها ويطيعونها من دون الله تبارك وتعالى ؟ . وثاني الآلهة التشريعات التي تُسنُّها عقول الناس القاصرة وبحسب ما يقدرونها من مصالح بنظرهم الضيّق ويتعبدون بها ويلتزمون بها ويعاقبون على مخالفتها من دون الرجوع إلى شريعة الله تبارك وتعالى تحت عناوين مختلفة كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وحاكمية الشعب والقوانين والدساتير الوضعية وغيرها ، وهذا الوضع قائم حتى في الدول التي تصف نفسها بأنها إسلامية ، وقد ذكر الله تبارك وتعالى هذه الآلهة وهذه الأرباب في قوله تعالى : ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا