الشيخ محمد اليعقوبي

287

خطاب المرحلة

أيها الأحبة . . إن السعادة والشقاوة تنبعان من داخل الإنسان ، وهي من حالات عالمه المعنوي ووصف لباطنه ، فالسعيد من كان كذلك في باطنه ، والشقي من كان كذلك في داخله ؛ فلا تتحقق إلا بأمور من جنسها أي معنوية ، وليس بأمور مادية كالمال والجنس وترف الدنيا ، فكم من شخص لا تتوفر له أسباب السعادة المادية الدنيوية بفقر أصابه أو مرض ابتلي به أو مصيبة نزلت به لكنك تراه سعيداً متفائلًا مبتسماً ، وآخر يعيش في ترف وتتوفر له كل أسباب المتعة والعيش الرغيد لكنه عبوس كئيب وقد ينتهي به الأمر إلى الانتحار ، وهذه النشرات والإحصائيات تطلعنا باستمرار على أن أكثر حالات الانتحار موجودة في أكثر الدول رفاهية . ولا يعني كلامنا هذا تقليلًا من أهمية توفير متطلبات الحياة الهنيئة السعيدة ، فإن لها دوراً في تحقيق تلك السعادة إذا أُخذ منها بالمقدار المناسب للحاجة ووُظّفت لتحقيق الهدف ، فإنها خير معين لها بفضل الله تبارك وتعالى ، وإنما اشتق اسم السعادة أصلًا من المساعدة وهي المعاونة على ما تتحقق به السعادة الحقيقية التي سميت سعادة لما فيها من معاونة الألطاف الإلهية للإنسان حتى وُفق إلى الخير والجنة ورضا الله تبارك وتعالى ، ولذا نجد في الروايات الشريفة المأثورة عن المعصومين ( عليهم السلام ) إرشادات إلى ما تتحقق به السعادة الأخروية وما يستعان به على تحقيقها من أمور الدنيا . وهذا الانسجام مع الفطرة والتوازن في مخاطبة كل عوالم الإنسان ، وتلبيته كل احتياجاته الروحية والنفسية والعقلية والجسدية هي من مختصات شريعة الله تبارك وتعالى الخالق العظيم والبصير بما يصلح حال الإنسان ويسعده ، بينما تاهت النظريات البشرية في تفسير السعادة وبيان ما تتحقق به لأن تحقيق السعادة حلم كل البشر ولم تنته بهم تلك النظريات إلا إلى الشقاء والقلق والخوف والكآبة والصراعات والشرور والآثام ، بين أصحاب النظريات المادية