الشيخ محمد اليعقوبي
282
خطاب المرحلة
رمضان لكنها جعلت منها وشملت بأعمالها ليوفّق المؤمن لليلة القدر ، ومن يتهاون بها فلعله يحرم من شيء من فضل ليلة القدر إلا أن يتداركه الله تعالى بفضله وكرمه ، بل أمرها من الأهمية بدرجة شرحتها الرواية في الكافي بإسناده عن زرارة قال : ( قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : التقدير في تسع عشرة ، والإبرام في إحدى وعشرين ، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين ) . ويكفي دليلًا على عظمة التغييرات التي تحصل في هذه الليلة نزول القرآن فيها ، القرآن الذي قلب حياة البشرية وسما بها من حيوانية الجاهلية إلى قمة التوحيد وفتح آفاقاً واسعة للعلوم والمعارف والحضارات وأرسى أسس الحياة السعيدة ، فكانت تلك الليلة خيراً من آلاف الشهور والسنين - لأن الألف لم تذكر للتحديد وإنما للتعبير عن الكثرة - التي قضتها البشرية في ظلمات الجاهلية . وتبقى الأمة سعيدة ما دامت ملتفتة إلى عظمة ليلة القدر والقرآن الذي نزل فيها وملتزمة به ومستفيدة منه ، وإلا فإنه لا يغنيها ما أصابته من عرض الدنيا وحطامها . ولا يعني هذا أن الإنسان يتكاسل في أيامه كلها ويتهاون ويفرغ نفسه في الليالي المحتملة لليلة القدر فهذا لا يناسب العاملين الراغبين فيما عند الله تبارك وتعالى ، ولا أن ييأس إذا لم يشعر أنه قد وفق لإحياء ليلة القدر ، لأن هذه الليلة وشهر رمضان وغيرها من أبوب اللطف الإلهي إذا انقضت فإن رب شهر رمضان ورب ليلة القدر باقٍ ورحمته واسعة ، فإن نفس هذا المعنى الذي شرحنا به الآية ورد في موضوع آخر ففي الرواية ( تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ) وهو مضافاً إلى معناه المنسبق إلى الذهن وهو أن التفكير والتأمل والفهم هو حقيقة العمل والغاية المنشودة منه لا الحركات الخارجية التي إنما تكتسب قيمتها من محتواها وهو التفكر والتأمل المنتج للخشوع والحب والرغبة والرهبة . فإن للحديث معنى آخر كالذي ذكرناه عن ليلة القدر وهو أن الإنسان قد يقف ساعة للتفكر والمراجعة والتحقيق في مسيرة حياته وهدفه الذي يريد أن