الشيخ محمد اليعقوبي
204
خطاب المرحلة
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يقول ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) في مستوى ما يريده الله تبارك وتعالى منه ، ففي الروايات انه صلى الله عليه وآله دخل مكة وقد طأطأ رأسه الشريف حتى يكاد يلصق برحله تواضعا لله تبارك وتعالى وامتناناً لفضله واحتراما لبيته وخشية منه تبارك وتعالى . والقاسم المشترك لكل هذه التوجيهات هو أن تتذكر الهدف والغاية الحقيقية التي خلقت لأجلها ، ولا يشغلك شيء عنه مهما كان ذلك الشيء مهماً وعظيما كالنصر المؤزر على الخصوم ، لأن قيمة ما تناله من الأشياء إنما تكون بمقدار ما تؤدي إلى تلك الغاية وهو رضا الله تعالى والقرب منه والزلفى لديه . أما الغافلون عن ذلك الهدف فتراهم سادرين في غيّهم فرحين بما لا يدوم لهم بل يكون وبالًا عليهم ، وربما ساقهم ذلك إلى التنافس غير الشريف والصراع المحموم الذي تنتهك فيه الحرمات ويُعتدى خلاله على المقدّسات ويُظلم الأبرياء ، وهذا هو شأن الفريقين ، فريق يعمّر دار آخرته ويوظف كل ما عنده لإعمار حياته الباقية ، وآخر يعمّر دار فنائه التي وصفها الإمام الحسين ( علي السلام ) بأنها دار بلاء وزوال متغيرة بأهلها حالًا بعد حال ، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته . ويشبّه بعض الأخلاقيين حال الفريقين بصورتين من السجناء الذين تدفع لهم الحكومات عادة مبالغ يسيرة أو كبيرة كمصروف جيب ، فمنهم من يصرف منها بمقدار الضرورة على نفسه ويرسل الباقي مع أهله عندما يأتون لمواجهته ليشتروا له داراً أو يفتحوا له مشروعاً تجارياً ينفعه عند خروجه من سجنه ويصرف منه على أهله فعندما يخرج يجد له وضعاً مريحاً ويبدأ بحياة سعيدة ، وفريق آخر من السجناء يصرف كل ما يأتيه على إعمار موضعه من السجن وتزيينه ووضع النقوش عليه وفجأة يقال له أخرج من السجن فلا يجد أمامه شيئاً يمكن أن يبدأ به حياته فيندم على ما ضيّع من أموال وجهود على شيء لا يدوم له .