الشيخ محمد اليعقوبي
192
خطاب المرحلة
وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) . فإذا تجردت عن المضامين فإنها ستفرغ من القمية إلا أن يتداركها الله تعالى بفضله وكرمه . خذ لذلك مثالًا قشور الفاكهة فإنها ما دامت محتوية على اللب وحافظة له فلها كل القيمة ، ولكنها إذا نزعت عنها فلا قيمة لها وترمى في سلة النفايات . فالمأمول هو أحياء هذه الشعائر بشكل واعٍ مع استحضار للأهداف التي أسست من أجلها ، والمبادئ التي أراد الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) تركيزها من خلال إحيائها ، فلم يستشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) من أجل أن نبكي عليه فقط أو لنتفجّع ونحزن ، وإن كان هذا مطلوباً في نفسه ، ولكن الهدف هو توظيف هذا الحزن والبكاء والألم في رفض الظلم والانحراف والفساد والسعي بهمة عالية نحو الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والمأمول أيضاً إدامة هذه الآثار المباركة التي عاشها الجميع خلال أيام المناسبة لتكون خصالًا ثابتة في سلوكنا ، مثلًا رغم مشاركة الملايين في الزيارة إلا أنه لم يحصل خلاف أو شجار بين الزوار بل إذا وقع خطأ - كارتطام سيارتين مثلًا - كان المجني عليه يسبق الجاني للاعتذار منه وتحمّل نفقات إصلاح سيارته . أقول : هذا السمو وهذا النبل لماذا نتخلى عنه عندما نعود إلى أهلنا وديارنا فتحصل النزاعات لأمور تافهة عند الله تبارك وتعالى ، أليس هذان المختلفان هنا هما من تعاملا بذلك النبل في رحاب أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) وكلاهما شيعة علي والحسين ( عليهما السلام ) ؟ فما حدا مما بدا ! إن الإنسان حينما يحسن فإنه أول المستفيدين ، مع انتفاع غيره بإحسانه ، فالحسين ( عليه السلام ) الذي نحيا ببركات شهادته المقدسة كان هو أول من قبض الثمن كما ورد في خطاب جده المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إليه ( إن لك مقامات عند الله لن تنالها إلا بالشهادة ) . قال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) وكل ما يعتقد الإنسان أنه قدمه لله تعالى أو لغيره فإنه إنما قدمه لنفسه حقيقة ، والله هو المتفضل المنان الذي لا يجازى إحسانه .