الشيخ محمد اليعقوبي

93

خطاب المرحلة

وينفق هذه الملايين في قضاء حاجة مؤمن أو تزويج شباب يعانون من الكبت الجنسي ، أو يعالج مريضا يشكو من حالة مستعصية ولا يجد ثمناً للعلاج ، فهذه مرحلة أرقى من درجات نهي النفس عن الهوى تزيد العبد قرباً إلى الله تبارك وتعالى . يروي لنا التأريخ عن عبد الله بن المبارك أنه كان يحج سنة ويتصدق سنة ، وفي السنة التي قرر فيها الحج المستحب طبعا وأخذ بالاستعداد له كان يسير في إحدى الطرقات ، فرأى امرأة رثّة الثياب جالسة قرب موضع رمي النفايات وهي تنتف ريش دجاجة ميتة فاستوقفه الحال وسألها عن السبب فأعرضت عن الجواب وقالت : أمضِ لسبيلك يا رجل ، فإن أمرنا لا يهمّك وأصرّ على استماع جوابها فقالت : اعلم يا رجل أنني امرأة علوية ولي بنات علويات لا نجد قوتاً من أيام ، وقد حلّ لنا أكل الميتة فاهتز قلب ابن المبارك ألماً ، وشفقة ورحمة وأعطاها المال الذي ادخره للحج ولم يذهب ، وبعد انتهاء الموسم ومجئ الحجاج كان الناس يفدون عليه للتهنئة بالسلامة والدعاء بقبول الأعمال والمناسك ، ولم ينفع معهم إقامة الشواهد على أنه لم يكن في الموسم ؛ لأنهم أجمعوا على رؤيته هناك في جميع المشاعر المقدسة ، فأفادت الروايات أن الله تبارك وتعالى بعث ملكاً على صورة ابن المبارك ليؤدي المناسك ويهب ثوابها إلى ذلك الرجل الذي تنازل عن رغبته النفسية بالحج رغم استحبابها العظيم ، وساعد أسرة علوية محتاجة بالمبلغ المخصص لتلك العبادة . فحصل على ثواب الحج إضافة إلى ثواب إنقاذ تلك الأسرة المؤمنة . فعلى الأمة أن تلتفت إلى هذين العدوين الكامنين في داخلها ، وهما اتباع الهوى وقلّة الوعي ، وإلا فإن الأمة سوف لا تهتدي إلى طريقها ولا تتعرف على قيادتها الحقيقية التي تريد لها الخير والتي وصفتهم الأحاديث الشريفة بأنهم سفن النجاة . محمد اليعقوبي