الشيخ محمد اليعقوبي

39

خطاب المرحلة

أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) ( المائدة : 44 ) ، ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ، ( النساء : 65 ) ، فلا يحق لأي شخص أن يسنّ تشريعاً مخالفاً لشريعة الله تبارك وتعالى ، وفي ضوء هذا المبدأ على السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية ) أن تفهم صلاحياتها وحدودها . وتارة يراد بالديمقراطية الآلية التي يختار بها الشعب قادته وحاكميه ومدبري شؤونه ، وهذا مما لا بأس به فإن الله تبارك وتعالى أوكل تصريف شؤون العباد إليهم أنفسهم فينظمون الآلية التي يتوافقون عليها قال تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) ( الشورى : 38 ) ، فاستعمل ضمير ( هم ) أي أن الأمور العائدة إليهم في تدابير شؤونهم الحياتية فهذا موكول لهم وترك تفاصيلها إليهم مما سماها بعض الفقهاء ( قدس الله أسرارهم ) منطقة الفراغ ، وهي ليست فراغاً في الحقيقة وإنما بمعنى أن المشرع وضع لها حدودها وأطرها العامة وترك التفاصيل إلى الأمة لتختار الأسلوب المناسب . فمثلًا : المطلوب من باب حفظ النظام الاجتماعي العام تأمين الطرق للناس بين النجف وبغداد ولكن هل يمر الطريق عبر الحلة أو كربلاء ، وكم عدد ممرات الشارع وغيرها من التفاصيل فهذه مما يقررها من تختارهم الأمة وتفوضهم النظر في شؤونها وتوكلهم في تدبير أمورها . وبهذا المعنى من الديمقراطية أي احترام إرادة الشعب والرجوع إليه في تقرير مصيره فإن الإسلام أول من وضع أصوله ومبادئه وسار عليه قادة الإسلام بمنتهى الصراحة والشفافية ، فتجد في سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه حينما خرج مع المسلمين على غير استعداد للقتال لاعتراض قافلة قريش التجارية ، ولما أفلتت القافلة وأصبح المسلمون في مواجهة قريش ، استشارهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المضي نحو القتال أو الرجوع ، وقبل معركة أحد استشارهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في التصدي