الشيخ محمد اليعقوبي

138

خطاب المرحلة

والكمال فلا غرو أن يضحي بالحسابات الدنيوية فقال ( عليه السلام ) : والله لا أبيت ليلة ومعاوية على الشام . هل تعلمنا من علي عدالته وإنصافه للناس حينما خاصمه يهودي على درع له وطلب مرافعته عند القاضي الذي نصبه أمير المؤمنين وجاء معه أمير المؤمنين إلى القاضي فقال له : يا أبا الحسن اجلس إلى جنب خصمك فجلس وقدّم البينات على أن الدرع له فحكم القاضي بذلك ، فرأى القاضي الامتعاض في وجه علي ( عليه السلام ) وظنّه انه لمساواته مع خصمه وهو هو في ذاته وفي موقعه ، فبدأ بالاعتذار بأن هذه هي آداب القضاء وإجراءاته لكنه يبدو انه لم يفهم سمو علي بن أبي طالب فقال له الإمام : إنما غضبت لأنك كنّيتني يا أبا الحسن في حضرة خصمي والمفروض أن تساوي بيننا بالاسم أو الكنية . ويمر في طريقه في الكوفة على رجل يستعطي فسأل عن هذه الحالة الغريبة في ظل عدالة علي ( عليه السلام ) وإنصافه فقيل له انه مسيحي كبر ولم يقوَ على العمل فقال ( عليه السلام ) فهل استعملتموه حتى إذا ضعف تركتموه ، أعطوه من بيت المال . هل تعلمنا من علي ( عليه السلام ) نكران ذاته وتقديم المصلحة العامة على الشخصية ، فإنه صاحب أعظم حق في الإسلام وهي خلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنص قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ( المائدة : 67 ) ، ولما رأى الأمة غير واعية لهذه المسؤولية ولا مستعدة لتحملها ورأى أن إصراره على استحصال حقه يوقع في الأمة فتنة كبيرة ليس هو المسؤول عنها وإنما الذين خالفوا وصية نبيهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فآثر الإعراض بعد إلقاء الحجة على الأمة . ومع ذلك لم يبخل على الحكام بالنصيحة والمؤازرة ، وحين عزم الخليفة الثاني على الخروج لملاقاة الفرس استشار أصحابه فأشاروا عليه بذلك