الشيخ الأميني

223

الغدير

فإن الله يجزي المتصدقين . فلما قرئ في الأمصار أبكي الناس ودعوا لعثمان وقالوا : إن الأمة لتمخض بشر ، وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه عبد الله بن عامر ، ومعاوية ، وعبد الله ابن سعد ، وادخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا فقال : ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة ؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي ، فقالوا له : ألم تبعث ؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشئ ؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، ولا كنت لتأخذ به أحدا فيقيمك على شئ ، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها . قال : فأشيروا علي . فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم ، قال : فما دواء ذلك ؟ قال : طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم . قال معاوية : قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما . قال : فما الرأي ؟ قال : حسن الأدب . قال : فما ترى يا عمرو ؟ قال : أرى أنك قد لنت لهم ، وتراخيت عنهم ، وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين ، إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا ، واللين لمن يخلف الناس بالنصح ، وقد فرشتهما جميعا اللين ، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال : كل ما أشرتم به علي قد سمعت ، ولكل أمر باب يؤتى منه ، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاناة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها ، فإن سده شئ فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد علي حجة حق ، وقد علم الله أني لم آل الناس وخيرا ولا نفسي ، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم ، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها . فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة ، ورجع ابن عامر وسعيد معه . ولما استقل عثمان رجز الحادي :