الشيخ الأميني

12

الغدير

الله أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ، فقال : ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن . ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا ، قالوا : لا ، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون ( 1 ) . وقد هذبته تلكم الأحوال وكهربته ، فلم يسق لمغضبة على باطل ، ولم يحده طيش إلى غاية ، فهو إن قال فعن هدى ، وإن حدث فعن الصادع الكريم صدقا ، وإن جال ففي مستوى الحق ، وإن صال فعلى الضلالة ، وعرفه بذلك من عرفه من أول يومه ، وكان معظما مبجلا لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والرد عليه ويعدونه حوبا قال أبو وائل : إن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال : ارفع إزارك . فقال : وأنت يا ابن مسعود ! فارفع إزارك . فقال : إني لست مثلك إن بساقي حموشة وأنا آدم الناس فبلغ ذلك عمر فضرب الرجل ويقول : أترد على ابن مسعود ؟ ( 2 ) . وأخرج أبو عمر بن الاستيعاب 1 : 372 بالإسناد عن علقمة قال : جاء رجل إلى عمر وهو بعرفات فقال : جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يحكي المصحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضبا شديدا وقال : ويحك ومن هو ؟ قال عبد الله بن مسعود . قال : فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال : والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحق بذلك منه . فلماذا يحرم هذا البدري العظيم عطاؤه سنين ؟ ثم يأتيه من سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مندم متظاهرا بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره ، ويسأل ربه أن يأخذ له منه بحقه ، ثم يتوجه إلى النعيم الخالد معرضا عن الحطام الزائل ، موصيا بأن لا يصلي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع . لماذا فعل به هذا ؟ ولماذا شتم على رؤس الاشهاد ؟ ولماذا أخرج من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهانا عنفا ، ولماذا ضرب به الأرض فدقت أضالعه ؟ ولما بطشوا به بطش الجبارين ؟ . كل ذلك لأنه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 : 337 . ( 1 ) الإصابة 2 : 370 ، كنز العمال : 55 .