الشيخ الأميني

176

الغدير

عثمان يدعونه إلى التوبة ، ويحتجون ويقسمون لله بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله ، فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم : قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج ؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده فقال : إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي وعهدا وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان ، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به . فقال مروان بن الحكم : يا أمير المؤمنين ! مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب ، فاعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ، فإنما هم بغوا عليك فلا عهد لهم ، فأرسل إلى علي فدعاه فلما جاءه قال : يا أبا حسن ! إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت ، ولست آمنهم على قتلي فأرددهم عني فإن لهم الله عز وجل أن اعتبهم من كل ما يكرهون ، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي ، فقال له علي : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإني لأرى قوما لا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيهم في قدمتهم الأولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك ، ثم لم تف لهم بشئ من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شئ ، فإني معطيهم عليك الحق . قال : نعم فاعطهم فوالله لأفين لهم . فخرج علي إلى الناس فقال : أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره ، وراجع عن جميع ما تكرهون ، فاقبلوا منه ووكدوا عليه . قال الناس : قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل . فقال لهم علي : ذلك لكم . ثم دخل عليه فأخبره الخبر ، فقال عثمان : اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي في مهلة ، فإني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد ، قال له علي : ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك ، قال : نعم ، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام . قال علي : نعم . فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة ، ويعزل كل عامل كرهوه ، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار ، فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه ، فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح ، قد كان اتخذ