الشيخ محمد اليعقوبي
9
خطاب المرحلة
ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا ، فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَالأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، فِي بَلاءِ أَزْلٍ ( أي شدة ) وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ ، فَانْظُرُوا إلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاخ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إلى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ، لا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ ( الحجر الصلد ، وقرعها أي كسرها ) « 1 » وفي خطبة الزهراء ( عليها السلام ) ، التي ألقتها في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الصحابة ، بعد أن غُصب حقها وحق بعلها : ( وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، مُذقة الشارب ، ونُهزة ( أي الفرصة التي ينتهزها ) الطامع ، وقبسة العجلان ( مثل يضرب في الاستعجال ) ، وموطئ الأقدام ( مثل للمغلوبية والمذلة ) ، تشربون الطرَق ( ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر ) ، وتقتاتون القِدَّ ( جلد غير مدبوغ يُقدّ ) والورَق ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مُنِيَ ببُهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن الشيطان ، أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ) « 2 » .
--> ( 1 ) خطبة 192 / ج 1 . ( 2 ) الاحتجاج 1 / 135 - 146 .