الشيخ محمد اليعقوبي

39

خطاب المرحلة

ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ ، مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ ، وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً ) « 1 » لشدة هذه المآسي التي توجع القلوب وتدميها ، فكان في نهاية حياته يصعد على المنبر وينعى أصحابه الأوفياء عمار وابن التيّهان وذا الشهادتين ويبكي ويتمنى الموت ، ويقول : متى يبعث أشقاها ؟ هكذا تجرع الغصص والآلام ، وكلها كانت ثمناً يدفعه لكي يعيش لله . 4 - الحفاظ على مصلحة الإسلام وحفظ كيان المسلمين ووحدتهم ، فرغم أن القوم غصبوا حقه إلا أنه لما علم أن بقاء الإسلام منوط بسكوته عن حقه سكت ولم يبخل عليهم بالنصيحة ولا تركهم في جهلهم يعمهون ، بل كان يقيل عثرتهم ويصحّح خطأهم ويوجههم ويرشدهم ويفهمهم الصواب ، وكان يمكنه ألّا يتجاوب معهم ليكشف زيفهم وقصورهم وتقصيرهم ، لكن ذلك يكون على حساب الإسلام ، فتجاوز كل هذه الأنانيات وعمل مخلصاً لله . فما أحرانا ونحن ننتسب إليه ونجاوره ونتكلم باسمه ونتقمص دوره أن نهتدي بهداه ونسير مسيرته ؛ ليحشرنا الله تعالى في شيعته ( أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) ( التوبة : 20 ) .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : 1 / 69 خطبة 27 .