الشيخ محمد اليعقوبي
11
خطاب المرحلة
يبعث إليه عثمان بمالٍ جزيل هو بأشدِّ الحاجة إليه بيد عبدٍ له ويعده بالحرية إن قبلها أبو ذر ، ليبيع لعثمان دينه ويسكت عن مظالمه ، فعلم أبو ذر بالنية ، فرفض قبول الصلة ، فأراد العبد أن يستغلَّ طيبة قلب أبي ذر وحبه للخير والتقرب إلى الله سبحانه ، فقال لأبي ذر : إن فيها عتقي ، فقال أبو ذر : لكن فيها رقي ، لأن أبا ذر علم أنه بقبولها عليه أن يجامل عثمان ويداهنه ، ولا يقول له ولحاشيته كلمة الحق ، فيحشر في سرادق الظلمة ، وانتصر أبو ذر مرة أخرى ، فليس غريباً أن يودِّعه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حينما نفاه عثمان إلى الربذة بكلمات حزينة مؤلمة لقلب كل غيور على الإسلام ورجالاته ، لكنها كبيرة وعظيمة ، ومما جاء فيها : إنك خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ وخافوك على دنياهم ، فَاتْرُكْ لهم مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ ، وخذ ما خفت منهم عليه . 2 - يحدِّث أحدهم أنه في معركة القادسية سمع جريحاً يئِنُّ ويطلب الماء ، وقد أعياه نزف الدم ، فلما قُرِّب وعاء الماء إليه سمع جريحاً آخر يطلب الماء فأبى أن يشرب ، وقال : اسقِي أخي لئلا يموت ، فقام إلى الثاني ليسقيه ، فسمع ثالثاً يطلب الماء ، فأمر بسقيه أولًا ، فلما وصل إليه لم يدركه وفارقته الحياة ، فعاد إلى الثاني فوجده كذلك ، وعاد إلى الأول فوجده كذلك . فتراهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كلفهم الحياة ، إنه غاية السمو والرفعة . 3 - كان لامرأة وزوجها ولد وحيد ، مرض هذا الولد فأشفقا عليه ، وهو وحيدهما ، ولما حان وقت الصلاة خرج الأب إلى المسجد فمات الولد في غيبته ، فلم تجزع الأم ولم يتغير حالها ، بعد أن استوعبت القرآن ، وعلمت منه ما أعدَّ الله للصابرين ، وأن الله سيوفيهم أجورهم بغير حساب ، وأنّ هذا الولد فَرْطٌ لهم على