الشيخ الأميني
45
الغدير
وجددت النغمات في قرن المحب الطبري المتخصص الفنان في رواية الموضوعات وجمع شتاتها ، فجاء في روايته ما سمعت غير أن ألفاظه مع وجازته مضطربة جدالا يلتئم شئ منها مع الآخر . ثم جاء الحلبي فنوم رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر أبي بكر ، وسقى وجه رسوله الكريم بدموع أبي بكر المتساقطة من الألم ، كل هذه لم يبرد كبد الحلبي وما شافي غليله ، فوجه قوارصه على الرافضة وألبس رؤوسهم لبادا مقصصا على صورة تلك الحية الموهومة التي لم يزعن رافضي قط بوجوده . ثم لما أدخل أبو بكر رجله في الجحر ونزل النبي صلى الله عليه وآله ووجده قاعدا لا يتحرك ، ورام أن ينام ، ووضع رأسه الشريف في حجره ، هلا سأل صلى الله عليه وآله صاحبه عن حالته العجيبة وجلوسه المستغرب الذي لا يقوم عنه ؟ وهل يمكن له أن يستر على صاحبه كلما فعل وهو معه ينظر إليه من كثب ؟ . وأي لديغ هذا ؟ وأي تصبر وتجلد ؟ وأي منظر مهول ؟ رجل الرجل في الجحر إلى فخذه ولا ثوب عليه ، ورأس النبي العظيم في حجره ، والأفاعي والحيات تلدغه وتلسعه من هنا وهنا ، لا اللديغ يتململ السليم ، حتى يحرك رجله أو عقبه فتجد تلكم الحشرات مسرحا فتبعد عنه ، ولا يأن ولا يحن ولا تسمع له زفرة وإن الدموع تتحادر حتى يستيقظ النبي الذي تنام عينه ولا ينام قلبه ( 1 ) فينجي صاحبه الذي اختاره لصحبته من لسعة الحيات والأفاعي . وهل من العدل والعقل والمنطق أن يحفظ الله نبيه عن كل هاتيك النوازل ؟ ويري له في الدرأ عنه آية بعد آية في سويعات ؟ من ستره عن أعين مشركي قريش لما مر بهم من بين أيديهم ، وإنباته شجرة في وجهه تستره بها ، وإيقاعه حمامتين وحشيتين بفم الغار ، ونسج العناكيب باب الغار بأمر منه تعالى شأنه ( 1 ) ، ويدع صاحبه الذي اتخذه بأمره ، وتفانى في حب النبي صلى الله عليه وآله ، وعرض نفسه للمهالك دونه بدخوله الغار قبله ، فلم يدفع عنه لدغ الحيات والأفاعي ، ولا يرحمه في تلك الحالة التي تكسر
--> ( 1 ) أخرج الشيخان في الصحيحين مرفوعا : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ، وأخرجا أيضا مرفوعا : إن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم . ( 2 ) طبقات ابن سعد 1 : 213 ، الخصايص الكبرى 1 : 185 : 186 .