الشيخ الأميني

364

الغدير

المتسرعين الذين منيت بهم البلاد والعباد . وأسلفنا لك أيضا قول عظماء الصحابة في أبي ذر وموافقتهم له على حقيقة رأيه ، واستيائهم لما نكب به من جراء ذلك ، وإجماع صلحائهم على إن ما جاء به كان رأيا صحيحا دينيا محضا مستفادا من الكتاب والسنة . وعجيب استغرابها مذهب أبي ذر وهي لا تعرفه ، وأعجب منه اعتذارها له ببعده عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح مع قولها باجتهاد أبي ذر ، أي اجتهاد هذا من عيلم أخذ المبادئ من مشرعها يبعد حامله عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح ؟ نعم : كم وكم عند القوم من المجتهدين البعداء آرائهم عن مبادئ الاسلام كابن ملجم قاتل الإمام أمير المؤمنين ، وأبي الغادية قاتل عمار ، وابني هند والنابغة قائدي الفئة الباغية ، وأمثالهم ؟ ( 1 ) لكن شتان بين هؤلاء وسيد غفار ؟ . أوليس مما يضحك الثكلى ويبكي كل مسلم ؟ أن يحسب إن مذهب أبي ذر بعيد عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح ، وهو الذي لم يعبد الصنم قبل إسلامه وصلى سنين قبل المبعث الشريف موليا وجهه إلى الله وهو محسن ، وهو ربع الاسلام ورابع المسلمين ، وقد طوى جل سنيه على عهد النبوة في صحبة الرسول الأعظم ولم يفتأ متعلما منه ، مصيخا إلى كل ما يدعو إليه ويهتف به ، فتنتقش كل تلكم المثل العليا في نفسه كما تنتقش الصور في المرآة الصافية ، بل تثبت فيها كما تثبت في العدسة اللاقطة . كان صلى الله عليه وآله يدنيه دون الصحابة إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب ، وكان شحيحا على دينه حريصا على العلم ، وقد سال رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل شئ حتى عن مس الحصى في الصلاة ، وقد صب صلى الله عليه وآله في صدره ما صبه جبريل وميكائيل في صدره صلى الله عليه وآله ، وعرفه صلى الله عليه وآله لأمته بأنه شبيه عيسى هديا وسمتا ونسكا وبرا وصدقا وخلقا وخلقا ( 2 ) . وما ظنك برجل قال فيه باب مدينة علم النبي مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لما

--> ( ! ) ممن أسلفنا ذكرهم في الجزء السابع ص 105 ، 106 ط 2 . ( 2 ) راجع في كل ذلك صفحة 316312 من هذا الجزء .