الشيخ محمد اليعقوبي

34

سيرة الأئمة الإثني عشر (ع)

يستطيعون بأي حال من الأحوال أن يسلبوا مكانته من القلوب وهيبته في النفوس ، ورجوع الناس إليه في شؤونهم الدينية ، هذا الانفصال الذي عبر عنه هارون الرشيد - كما يسمونه - لولده المأمون حينما استغرب من تكريمه للإمام الكاظم عليه السلام بما لا نظير له ، فقال : ( ويلك ، هذا إمام القلوب وأنا إمام الأبدان ) « 1 » ، والإمام وإن سكت عن المطالبة بحقه في السلطة الدنيوية من أجل حفظ الإسلام وكيان المسلمين ، إلا أنه لا يمكنه بأي حال من الأحوال التنازل لهم عن الإمامة الدينية أو الاعتراف بهم وإمضاؤهم كممثلين لهذه السلطة ، فإن في ذلك خيانة لله ولرسوله وللإسلام ، على أن هذا الحق لا يتصور التنازل عنه ، فإنه ليس امتيازاً أو موقعاً حتى يتخلى عنه ، بل قدرة وقابلية على تلبية احتياجات الأمة ، فكل من كان قادراً على ذلك ووجدت الأمة حاجتها وآمالها وطموحاتها عنده أصبح إماماً ، وهكذا كان علي عليه السلام فما سمعنا انه احتاج إلى أحد في شيء ، بل على العكس كانوا يرجعون إليهم في مسائلهم ومشاكلهم وقراراتهم ، حتى اشتهر قول الثاني : ( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن ) « 2 » ، ولذا استدل بعضهم على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام باحتياج الناس إليه واستغنائه عن الناس « 3 » . وهذا الفصل بين السلطتين ترسخ وتعمق وانعكس على الدين نفسه ، فأصبح

--> ( 1 ) سيرة الأئمة الاثني عشر : القسم الثاني : ص 390 . ( 2 ) سيرة الأئمة الاثني عشر : القسم الأول : ص 304 . ( 3 ) نسب الاستدلال إلى الخليل الفراهيدي ( رحمه الله ) وروي عن الحارث بن المغيرة قال : ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام : بأي شيء يُعرف الإمام ؟ قال بالسكينة والوقار ، . . . وتعرفه بالحلال والحرام ، وبحاجة الناس إليه ، ولا يحتاج إلى أحد ) ( بحار الأنوار : 25 / 156 ) .